التكنولوجيا بِلا ثقافة .. سُمّ بِلا تِرياق د. لينا جزراوي

 

في كل مرّة نفتح هواتفنا الذكيّة، أو نتنقّل بين تطبيقاتنا المفضّلة، نشعر أننا جزء من العالم الرقمي الحديث. لكن الحقيقة أن هذه الأدوات ، رغم بريقها ، لم تُقرّبنا خطوة حقيقيّة نحو التطوّر الفكري أو الثقافي. والسبب بسيط : نحن لم نخترعها ، ولم نصنع ثقافتها ، بل تلقيّناها جاهزة ، فتعاملنا معها بعيون المستهلِك لا بعقول المُبدِع.
من يخترع الأداة يعرِف أسرارها ، ومزاياها ، ومخاطرها وكيفية تجنّب أضرارها. تماما كما يكتشِف من يصنع السّم التّرياق معه. أما نحن ، فنستورد المُنتج الرّقمي كما هو، دون أن نصطحب معه ثقافته التي تُحدّد كيف يُستخدم . النتيجة أننا نقود سيارة مرسيدس فاخرة ، لكننا لا نمتلِك المعرِفة لصِناعتها.

هذا الانفِصال بين الأداة وثقافتها يفسّر كثيرًا من المُشكلات التي نراها اليوم : إدمان لا ينتهي ، ضعف في التّواصل الإنساني المُباشر، سُمنة مُتزايدة حتى بين صِغار السّن والأطفال ، اتّكالية فِكريّة ، تراجُع أكاديمي، وحتى تَعطّل لبعض عملياّت التّفكير العميق. نحن في العالم العربي لا نعيش عصر التكنولوجيا الحقيقي، بل عصر الاستهلاك التّكنولوجي.

السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا اليوم ليس : كيف نستخدِم هذه الأدوات أكثر ؟ بل : كيف نصنع أدواتنا نحن، أو على الأقل نصنع ثقافتنا الخاصّة لاستخدامها؟ لأن التحضّر لا يُبنى بضغْط أزرار على الشّاشات الرقميّة، بل بفَهم ما وراء تلك الأزرار.

ليست المُشكِلة بالتطوّر التكنولوجي وأدواته ، المُشكلة في كيفيّة تعاملنا معه ، واستخدامه ، فالأدوات التي لا نَصنعَها ، تَصنعْنا ، وتُحوّل التكنولوجيا لواجهة فقط ، لكن الجَوهر فارِغ. في النهاية ليست التكنولوجيا هي من أخفقت ، بل نحن. أخذنا الأداة دون أن نأخذ عقل من صنعها، فصِرنا اسرى لشاشاتها بدل أن تكون هي في خدمتنا.
ما لم نصنع أدواتنا أو نصنع وعيًا يليق بها ، سنبقى مجرد مُستهلكين في عالم لا مكان فيه لغير المُنتجين.

مُدرّسة الفلسفة والتفكير الناقد
جامعة الاميرة سميّة للتكنولوجيا