.منذ الضربة الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت إيران، لم تعد الأحداث الإقليمية والدولية تبدو عشوائية أو منفصلة عن بعضها البعض، بل باتت حلقات في سلسلة واحدة، عنوانها إعادة تشكيل موازين القوى العالمية عبر أدوات الضغط العسكري الصهيوأميركي، والاختراق السياسي، والتجفيف الاقتصادي.
.من الشرق الأوسط إلى أميركا اللاتينية، تتسارع الوقائع بوتيرة غير مسبوقة تصعيد ضد إيران، اشتباكات في سوريا، ضغوط متزايدة على حزب الله في لبنان، وصولًا إلى الزلزال السياسي الذي أحدثته العملية الأميركية في فنزويلا.
.اليوم نحاول تفكيك المشهد كاملاً بقدر ما نستطيع، وقراءة ما يجري بعيون دوائر القرار ومراكز الأبحاث العالمية، مع استشراف ما قد تحمله الأيام المقبلة من تحولات في المكان والزمان.
أولًا،، الضربة الإسرائيلية لإيران كانت بداية مرحلة جديدة للمشروع الأميركي الصهيوني، إذ تشير تقديرات مراكز الأبحاث الغربية والإسرائيلية إلى أن الضربة الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران لم تكن عملية عسكرية محدودة بقدر ما كانت رسالة استراتيجية متعددة الاتجاهات.
.الهدف المعلن منها كان توجيه ضربة لقدرات عسكرية حساسة، لكن الهدف الأعمق وفق تحليلات مجلس العلاقات الخارجية ومراكز دراسات الأمن القومي الأميركي يتمثل في رفع كلفة استمرار إيران في سياساتها الإقليمية.
واختبار حدود الرد الإيراني دون الانزلاق إلى حربٍ شاملة.
.دفع الولايات المتحدة وحلفائها إلى تبني مقاربة أكثر حزمًا تجاه طهران.
ورغم الرد الإيراني المحسوب، إلا أن المشهد كشف بوضوح أن المنطقة دخلت مرحلة الردع المتبادل الهش، حيث بات أي خطأ في الحسابات كفيلًا بتوسيع دائرة الصراع.
ثانيًا،، إيران باتت تحت الضغط العسكري والشعبي أي بين الجبهة الداخلية والتطويق الخارجي، لذلك ترى مراكز أبحاث أميركية وأوروبية أن طهران تواجه اليوم ضغوطاًً مُركبة،
على المستوىَ الداخلي هناك أزمة اقتصادية، وتراجع كبير في سعر صرف العملة، والضغوط الإجتماعية متزايدة.
.أما خارجيًا،، تواجه طهران تشديد العقوبات، وتهديدات عسكرية من واشنطن وتل أبيب، وتجري محاولات لعزلها دبلوماسياً.
.أما اللافت في الأمر، بحسب دراسات معهد واشنطن ومعهد الدراسات الاستراتيجية الدولية، أن المقاربة الأميركية الإسرائيلية لم تعد تركز فقط على الداخل الإيراني، بل انتقلت إلى استهداف بيئة إيران الخارجية وشبكات نفوذها العالمية، وهو ما يفسر الربط بين ما يجري في الشرق الأوسط وما حدث لاحقًا في أميركا اللاتينية.
ثالثًا،، فنزويلا الرسالة الأبعد من الجغرافيا، العملية العسكرية الأميركية التي حصلت وطالت الرئيس الفنزويلي شكّلت صدمة سياسية دولية، ليس فقط لطبيعتها، بل لتوقيتها ورسائلها.
نحن نرى أن فنزويلا لم تكن هدفًا بحد ذاتها، بل ساحة لإعادة فرض الهيبة الأميركية وإيصال رسائل مباشرة إلى خصوم واشنطن لإرعابهم، وفي مقدمتهم إيران وروسيا والصين.
وفق هذه القراءات، فإن أحد الأهداف غير المعلنة كان ضرب شبكات مالية ولوجستية مرتبطة بمحور إيران خارج الشرق الأوسط. وتحذير الدول التي تشكل منصات خلفية للنفوذ الإيراني بأن زمن “المساحات الآمنة” يضيق.
عبر إعادة تثبيت مبدأ الضربات الاستباقية العابرة للحدود.
رابعًا،،ما يجري في سوريا حيث عادت حلب إلى واجهة الصراع، ولا تبدو الاشتباكات فيها معزولة عن السياق الإقليمي. فالتقديرات الأوليه الروسية والغربية تشير إلى أن سوريا ما زالت ساحة تصفية حسابات مؤجلة، حيث تتقاطع المصالح الأميركية والتركية والروسية والإيرانية.
.لذلك الاشتباكات بين قسد وفصائل أخرى تابعة للجولاني تعكس هشاشة التفاهمات المؤقتة. وسعي كل طرف لتحسين شروطه قبل أي تسوية سياسية شاملة. من هنا نستطيع القول أن استخدام الساحة السورية كورقة ضغط في المفاوضات الإقليمية الكبرى أصبحت أولوية.
خامسًا،،نُعَرِج على لبنان وحزب الله فيه في قلب معادلة الردع في المنطقة، إذ تتابع إسرائيل والولايات المتحدة تطورات الإقليم بدقة وبتركيز خاص على حزب الله. لاعتبارات إسرائيلية وغربية تجمع على أن
المقاومة في لبنان تُشكل ركيزة أساسية في معادلة الردع الإيرانية.
فأي تصعيد مباشر ضده يحمل مخاطر حرب إقليمية واسعة.
.في المقابل، ترى واشنطن وتل أبيب ودوائر غربية أخرى أن الحزب يدرك حجم الضغوط الداخلية اللبنانية، ويوازن بين دوره الإقليمي والحفاظ على الاستقرار الداخلي، ما يجعله يميل إلى سياسة النفس الطويل بدل المواجهة المفتوحة، ما لم تُفرض عليه.
سادسًا،، ماذا تقول دوائر القرار عن الأيام المقبلة؟
وفق خلاصات المراكز الغربية كافة،
لا حرب شاملة وشيكة، لكن مرحلة التصعيد المدروس مستمرة.
والضغوط ستتجه نحو تجفيف الموارد لا فتح الجبهات دفعة واحدة.
.إذاً الشرق الأوسط سيبقى ساحة الاختبارات الأساسية، مع تمدد الصراع إلى ساحات بعيدة عند الحاجة.
أما التقدير الأكثر تداولًا، فهو أن العالم دخل مرحلة اللا استقرار المُدار أميركياً
بتوترات محسوبة، وضربات محدودة، ورسائل قاسية، دون كسر الخطوط الحمراء الكبرى حتى الآن.
ما يجري اليوم ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل مشهد واحد متعدد الجبهات. من طهران إلى كاراكاس، ومن حلب إلى بيروت، واشنطن وتل أبيب يعيدان صياغة النظام الدولي الجديد بمنطق القوة، والضغوط المركبة، والرسائل النارية، والمقايضه مع الدول الكبرى.
والسؤال لم يعد هل تتغير الخرائط في المنطقة؟ إنما متى، وبأي ثمن، وعلى حساب من؟
بيروت في،، 9/1/2026