أولاً: نظرة عامة على العصر البرونزي – الفترة الزمنية والتحول:
بدأ العصر البرونزي قبل حوالي 4000 سنة (حوالي 3300 إلى 1200 قبل الميلاد)، مميزاً نهاية العصر الحجري.
جاء بعد التغيرات المناخية والبيئية التي جعلت الزراعة ممكنة وضرورية، وشهد زيادة في عدد السكان وتطوراً في الإدراك البشري
الاكتشاف المحوري: تمثل في صهر النحاس مع القصدير لإنتاج البرونز، وهو معدن أكثر صلابة ومتانة، مما جعله أفضل لصناعة الأدوات والأسلحة، منهياً بذلك الاعتماد على الأدوات الحجرية..
التطورات التكنولوجية والحضارية:
شهد العصر البرونزي ظهور أنظمة الكتابة الأولى (مثل المسمارية)، واختراع العجلة، وأول عملة في التاريخ، ورموز القانون (مثل شريعة حمورابي)، وتقدم في علم الفلك والرياضيات.
تميز بنهضة الدول والممالك والإمبراطوريات العسكرية واسعة النطاق (مثل السومرية، الأكَّدية، المصرية، الحثية).
التجارة والموارد (النحاس والقصدير):
ساهمت عُمان (مجان/مكن) بدور محوري في استخراج وتصدير النحاس إلى بلاد الرافدين والشرق الأوسط منذ حوالي 3000 ق.م.
تعتبر بقايا موقع “سمد الشأن” في عُمان أقوى دليل على انتشار أعمال تعدين النحاس.
مصدر القصدير كان مثار جدل، حيث تشير النصوص إلى استيراده من الشرق (ملوخا/حضارة وادي السند وربما تايلاند)، ومن المحتمل أيضاً استخراجه أو شرائه من بريطانيا.
كان الفينيقيون يحتكرون تجارة القصدير في البحر المتوسط، وكانت الحرب التجارية حوله مع روما سبباً في الحروب البونية.
مراحل العصر البرونزي:
القديم (الألف الرابعة والثالثة ق.م): صهر النحاس والقصدير وتشكيل البرونز.
الوسيط (حوالي 2000 – 1600 ق.م في الشرق الأوسط): تميز بانتشار الأفران المعدنية.
المتأخر/الحديث: ظهور هجرة الشعوب وظهور أسلوب جديد في دفن الموتى (حرق الميت).
ثانياً: حضارات الهلال الخصيب
١- السومريون.
النشأة والتأثير: أنشأوا حوالي اثنتي عشرة دولة مدينة في بلاد ما بين النهرين القديمة (مثل إريدو وأوروك) في الألفية الرابعة قبل الميلاد.
الإنجازات: كانوا أول من استخدم البرونز، ورواداً في استخدام السدود وقنوات الري، واخترعوا الكتابة المسمارية، وبنوا معابد الزقورات، واحتفلوا بالفن والأدب (مثل ملحمة جلجامش).
الأصل: يُعتبرون أول من أسس الحضارة في العالم، والنص يؤكد أن أصلهم من شعوب الجزيرة العربية وبدأت حضارتهم في قاع الخليج.
٢. الأكَّديونالأصل والهجرة: من الأقوام الجزيرية (العربية) التي نزحت من شبه الجزيرة العربية (بسبب الجفاف والتغير المناخي) واستقرت في شمال بلاد سومر (منطقة أكَّد).
الإمبراطورية: أسس سرجون الأكَّدي (شاروكين) سلالة حكمت لأكثر من مئة عام (2371-2230 ق.م). قام بفتوحات واسعة شملت الأناضول وسوريا وفلسطين والخليج العربي، وأصبحت منطقة الشرق الأدنى تحت حكمه.
التجارة: نشطت التجارة الخارجية في عهده، وكانت السفن ترسو في ميناء أكَّد قادمة من بلدان بعيدة مثل مغان وملوخا ودلمون.
الحضارة واللغة: تأثروا بالحضارة السومرية، واستخدموا الخط المسماري. اندمجت اللغتان السومرية والأكَّدية في لغة واحدة.
. ٣-الأموريون(العموريين)
الأصل والهجرة: مجموعة سامية قديمة ضخمة، تُعتبر أولى الهجرات السامية الكبرى إلى بلاد الشام. يرجح البعض أنهم استمرار لحضارة العبيد السابقة للسومريين.
الحياة والسمات: كانت حياتهم قبل الاستقرار بدوية تعتمد على تربية الماشية والأغنام وشن الغارات. اشتهروا بالاعتماد على الحمير في الانتقال وحمل الأمتعة.
الاندماج والإنجازات: بعد استقرارهم، أظهروا قدرة على تعلم الحياة الحضرية، واندمجوا حضارياً مع السومريين والأكَّديين.
الممالك والقوانين: أسسوا الإمبراطورية البابلية العمورية، وكانت بابل عاصمتها حوالي 1900 ق.م. أشهر ملوكهم حمورابي (1793-1751 ق.م) الذي وحد العراق وأنشأ واحدة من أقدم القوانين المكتوبة وأكثرها اكتمالاً (شريعة حمورابي.)
النظرة لأصل العرب: يرى خزعل الماجدي أنَّ العرب هم الوريثون الحقيقيون لتقاليد الأموريين وامتدادهم التاريخي، وأن اسم “عمورور” هو نفسه اسم ”العرب.“
٤- الآشوريون
القوة والامتداد: كانت آشور قوة سياسية وعسكرية كبرى في بلاد ما بين النهرين القديمة، وامتدت إمبراطوريتها في ذروتها من العراق شرقاً إلى تركيا غرباً ومصر جنوباً. حاربوا الفراعنة والحثيين باستمرار.
الموطن والأصل: عاصمتها الأصلية هي آشور على الضفة الغربية لنهر دجلة في شمال العراق.
التكوين الاجتماعي: ساهمت التحديات المحيطة ببلاد آشور في خلق مجتمع عسكري ذي روح حربية، مما منحهم قادة عسكريين عظماء في فترة بروزهم (1521- 911 ق.م).
الحضارة واللغة: ينتمي الآشوريون إلى العرق السامي ويتحدثون إحدى اللغات السامية الشرقية (اللغة الأكَّدية بفرعيها الآشوري والبابلي).
التطور: تطورت دولتهم بعد انهيار العصر البرونزي وانهيار الدول المنافسة مثل الحثيين وأوغاريت.
1:4: 5 – الآراميون
الأصل: تتعدد الآراء حول أصلهم، فبعض المؤرخين يربطونهم بالجزيرة العربية (نجد عسير) ويرون أنهم ساميون، بينما يقترح البعض أصلاً هندوآري/أرمني أو قوقازي.
الانتشار: ظهروا في وثائق قديمة (منذ عهد نارام- سين) وتوسعوا تدريجياً. قبائل “أخلامو” البدوية ارتبطت بهم وتوغلت عبر الفرات، وشكلوا خطراً على الطرق التجارية.
الممالك: أقاموا عدة ممالك (مدن-دول) في الهلال الخصيب وبلاد الشام (مثل آرام دمشق وحماة).
التأثير الثقافي: على الرغم من إخفاقهم في إقامة وحدة سياسية، إلا أن لغتهم الآرامية انتشرت وأصبحت لغة رسمية ولغة حوار دبلوماسي في الشرق القديم من فارس إلى مصر، وهي لغة عربية قديمة.
النهاية: انتهى تاريخهم السياسي بسقوط دمشق على يد ملك آشور تغلات فلاسر الثالث عام٧٢٣ ق.م. عُرفوا بعد التنصّر باسم السُّريان، واندمجوا لاحقاً مع القبائل العربية.
– ٤:٢:٤فارس/إيران
التسمية والأصل: الاسم الحديث إيران يعني “أرض الآريين” ويعود تبنيه لعام 1935.
السكان الأوائل: سكنتها قبلهم الأقوام العيلامية (منذ الألفية الرابعة ق.م)، والتي تُرجِع أصولها إلى أفريقيا وترتبط بالسومريين والعرب، وأقاموا في شمال الخليج الفارسي (عاصمتهم سوسة).
قدوم الآريين: هاجرت الشعوب الآرية (السكيثيون، الميديون، الفرس) من آسيا الوسطى إلى الهضبة الإيرانية قرب نهاية الألفية الثانية ق.م.
الإمبراطورية الأخمينية: نهضت قبائل الفرس تحت قيادة كورش الثاني (558-529 ق.م) الذي أسس الإمبراطورية الأخمينية وسيطر على آسيا الصغرى ووادي الرافدين والمشرق، كما أكمل ابنه قمبيز احتلال مصر.
التأثير الحضاري: تأثر حكم الفرس بحضارات الرافدين، وأصبحت اللغة الآرامية هي اللغة الرسمية للدولة الأخمينية في المنطقة.
3:4 – وادي النيل في العصر البرونزي
التوطن المبكر: كانت بدايات مصر خارج وادي النيل في مناطق الصحراء (خلال العصور الماطرة)، ثم بدأ الاستقرار على أطراف مستنقعات النيل.
الأصل الحضاري: هناك جدل بين العلماء حول نشأة الحضارة المصرية الفرعونية في الشمال (الدلتا) أم في الجنوب (الصعيد).
تأثيرات خارجية: يرجح بعض العلماء أن موجات هجرة أو غزو من غرب آسيا (عن طريق فلسطين/سيناء أو البحر الأحمر عبر وادي الحمامات) جلبت معها ثقافة أرقى (كتابة، معرفة المعادن كالنحاس، فنون، تحنيط، نظم دينية وسياسية) ساهمت في ميلاد الحضارة الجديدة. ويرجح البعض أصولاً عربية لهؤلاء المهاجرين.
التوحيد: قام الملك مينا بتوحيد مصر العليا والسفلى في مملكة واحدة (حوالي 3200 ق.م)، وبنى العاصمة ممفيس.
4:4 – الحضارة الكنعانية في العصر البرونزي
الأصل والاسم: الكنعانيون شعب سامي سكن بلاد الشام. تختلف معاني اسمهم (الأحمر الأرجواني أو التواضع)، لكن المؤرخين المعاصرين كرّسوا الاسم استناداً إلى خلفية توراتية.
التاريخ والجغرافيا: استوطنوا السواحل الشرقية للبحر المتوسط (من أوغاريت شمالاً حتى غزة). ظهرت هويتهم الخاصة منذ بداية الألف الثالثة ق.م. لعب موقعهم الجغرافي دوراً في تطوير حضارتهم.
الفينيقيون: عُرفوا لاحقاً (في الألف الأولى ق.م) عند الإغريق باسم الفينيقيين نسبة إلى تجارة الأرجوان.
التوسع والاستيطان: أسسوا المستعمرات في جميع أنحاء البحر المتوسط (اليونان، إيطاليا، إسبانيا، شمال أفريقيا – قرطاجة)..
الأنشطة الاقتصادية والصناعات: قامت حياتهم على الزراعة والصيد والتجارة الخارجية. اشتهروا بصناعة الفخار، وتعدين النحاس والبرونز، وصناعة الزجاج، والألبسة الأرجوانية.
الملاحة: سجلوا إنجازات بحرية هامة، بما في ذلك الدوران حول أفريقيا (في مهمة للفرعون) وربما الوصول إلى الأمريكيتين.
النهضة: تجاوز الفينيقيون أزمة انهيار العصر البرونزي المتأخر، وظهروا كقوة تجارية وبحرية وحيدة، فيما يُعرف بـ “النهضة الفينيقية” (حوالي 1230 ق.م).
٥:٤
– حضارة إيبلا (تل مرديخ، شمال غرب سورية)
الموقع والأهمية: مملكة كنعانية قديمة قامت في تل مرديخ (إدلب حالياً) بسورية. كانت مركزاً لقوة سياسية كبرى (حوالي 2300 ق.م) وسيطرت على مناطق واسعة من الأناضول إلى فلسطين وبلاد ما بين النهرين.
الاقتصاد والنفوذ: استمدت قوتها من حيوية اقتصادها، وكانت صلة الوصل في الخطوط التجارية بين مصر وبلاد ما بين النهرين وإيران حتى الهند.
الحضارة والكتابة: استخدمت الخط المسماري، وكشفت مكتبتها عن حضارة عظيمة قبل الألف الثالثة ق.م. لغة إيبلا تُعدّ أقدم لغة مكتوبة وصلت إلينا، وتتماثل مع الكنعانية والأوغاريتية والعربية..
الإنجازات: اكتُشِفَت فيها أقدم قواميس في العالم، وقوانين سابقة لشريعة حمورابي، وأقدم قصيدة تعود لعام 2400 ق.م.
النهاية: تعرضت للهجوم والحرق من قبل الملك الأكَّادي نارام سين في 2240 ق.م، ودُمرت لاحقاً على يد الحثيين في القرن السابع عشر ق.م.
اليمن في العصر البرونزي
الأصل الحضاري والهجرة: تعود حضارة اليمن إلى قرون بعيدة، ويُعتبر نقطة دخول الهجرة البشرية الأولى من أفريقيا عبر باب المندب. كما كان اليمن مصدراً لهجرات البشر القدماء (خاصة الآسيوية) والهجرات الأهم للمنطقة العربية، ولذلك يُنظر إليه على أنه أصل العرب في الجزيرة العربية والمنطقة كلها.
الآثار وبدايات الدولة: تشير اللقى الأثرية والنقوش السومرية (حوالي 2500 ق.م) إلى وجود سبأ في مرحلة مبكرة جداً. ظهرت البدايات الأولى للعمارة في جنوب الجزيرة العربية في بداية العصر البرونزي (بين الألف الرابعة والثانية ق.م).في جنوب الجزيرة العربية، شكلت الدولة السبئية الحلقات المركزية التي انطلقت منها فكرة الدولة.
المجتمع والاستيطان في العصر البرونزي:
شُكِّلت المجتمعات اليمنية بشكل معقد وتوزعت في مناطق مختلفة: لساحل، الهضاب المرتفعة والصحراء، والهضاب الشرقية، وتميزت بالتجمع حول المواقع الرمزية.
أدت التغيرات البيئية والمناخية إلى تغيرات في الاستيطان واستصلاح الأراضي، خاصة فيما يخص المنشآت المائية.
ازداد استخدام المدرجات الزراعية في المرتفعات الجبلية منذ الألف الثالثة ق.م.
في المرحلة الانتقالية للبرونزي، ظهرت المدن والدولة، وانتقل الناس من المرتفعات إلى الواحات بسبب انتشار أنظمة الري المعتمدة على التحكم في مياه السهول.
الزراعة وأنظمة الري :
العصر الحجري الحديث (الألف الخامسة – الرابعة ق.م): تميز بممارسة الزراعة وتربية الحيوان.
العصر البرونزي: تميز بالاستخدام الواسع للزراعة كنظام إنتاجي (في الألف الثالثة ق.م وتزايد في الثانية ق.م)، مما أدى لظهور ثقافات زراعية ومستقرات كبيرة (مثل خولان).
وُجدت في واحة مأرب معالم لقنوات ري ومقابر برجية منذ الألف الرابعة ق.م، مما يدل على استمرار الاستقرار البشري.
كان استخدام المنشآت المائية تطويراً محلياً، والمجتمع المتطور المرتبط بالزراعة كان موجوداً في الألف الثالثة ق.م، أي قبل ظهور المؤسسات المائية الضخمة.
نظريات الأصول:
يُعتقد أن الشعوب التي قطنت المنطقة منذ العصر الحجري الحديث تنتمي إلى الشعوب السامية. ويرى آخرون أن اليمن هو الموطن الأصلي للكنعانيين والفينيقيين.