اطلعت على نظام الاعلام الرقمي بعد ان ارسله لي مدير هيئة الاعلام الاستاذ بشير المومني مشكورا، وكنت اتمنى قبل التعليق ان تعقد جلسات مشاورات معمقة تجمع قانونيين وخبراء لبحث مستفيض لا يتعلق فقط بهذا النظام، ولكن الاهم كيف يتطور اعلامنا ليصبح اكثر تأثيرا، مستشرفا المستقبل، ومساهما في التنمية المستدامة ؟
السؤال الاساسي؛ هل نحتاج نظاما للاعلام الرقمي ؟
هل توجد اسباب موجبة للنظام ، وما هي ؟
واذا كانت الاسباب تنظيمية، هل التشريعات والقوانين والانظمة، والتعليمات الموجودة، والمعمول بها كافية؟
وعطفا على ذلك، وحتى لو أردنا تنظيم العمل على منصات التواصل الاجتماعي، فهل نحن قادرون على ذلك، وهل هذه المنصات ملزمة بالتعاون حسب أنظمتنا، وبعضها او جلها مجتمعات افتراضية بها اناس اكثر مما هم على الكوكب كله، وموازناتها اكثر من العديد من الدول؟
ولنتذكر ان قانون الجرائم الالكترونية نصت احد مواده على ان تفتح هذه المنصات مكاتب لها ان زاد عدد المسجلين عليها رقما معينا، ولم يستجيبوا لمتطلبات القانون حسب علمي، ولم نحجبهم، او نتخذ اجراءات قانونية ضدهم؟
قراءتي الاولية ان قيام هيئة الاعلام بعملها بعد اقرار النظام سيرتب عليها مسؤوليات، ومهام كبيرة جدا تتخطى التعامل مع وسائل الاعلام ، ودور النشر، ومكاتب الاعلان، الى فضاء رقمي واسع، ومتطلبات ذلك تحتاج الى جيشا كبيرا من المتخصصين، فهل هم مستعدون، ويمكنهم القيام بذلك؟
أفترض حسن النية فيمن اعدوا النظام، ولكني لاحظت دور هيئة الاعلام سيتوسع، فهي تنظم ، وستراقب، وستأخذ صفة الضابطة العدلية، وستذهب لبعض التدابير والاجراءات بعضها متعلق بسلطة القضاء، مثل قرار الاغلاق، وهذا خلط للادوار، لا اعتقد انه جائز، او مستساغ.
التحولات في العالم واسعة جدا، والاعلام الذي عرفناه قديما يتعرض للتآكل، والذكاء الاصطناعي يجتاح الدنيا، وليس مقبولا ان نظل نعرف الصحفي كما عرفناه قبل اكثر من 50 عاما .
المؤسسات الدولية تعرف الصحفي:- ( هو كل من يقدم المعلومات بشكل منتظم للجمهور ) ، ويمكن ان نضيف لهذا التعريف، ومن رضي، وقبل المعايير المهنية ناظما لعمله الاعلامي.
وفي ظل هذا التوجه العالمي، هل يمكن ان نظل اسرى تعريفات تقادمت، وهياكل نقابية لم تعد قادرة على التجاوب مع التحولات في عالم الاعلام.
الان وسائل الاعلام كلها، اذا لم يكن لها حضور فاعل على منصات التواصل الاجتماعي فهي غائبة عن الجمهور ، كم عدد الذين يشترون الصحف اليومية الان ليقرأوها، كم عدد الذين ينتظرون نشرة الاخبار ليشاهدوها، كل هذا اصبح من الماضي؟
اشارك الكثير من الاعلاميين، وصانعي المحتوى، وكذلك المواطنين مخاوفهم، والسؤال المفصلي والأساسي الذي يجب ان يدرس بعناية، بالاستناد الى الدستور ، والاتفاقيات والمعاهدات الدولية؛ هل نظام الاعلام الرقمي يفرض قيودا جديدة على حرية التعبير ؟
ولنفترض أنني صانع محتوى على منصات التواصل الاجتماعي، وعندي ملايين من المتابعين ، ولا اريد ان أرخص، ولا ان احصل على الاعتماد، هل نظام الاعلام الرقمي يلزمني ؟
للعلم منصات التواصل الاجتماعي ليست شركات او مؤسسات اردنية، ووجودي عليها او غيابي لا يحتاج موافقة، او اذن حكومتي، والقرارات التي تتخذها (هيئة الاعلام) مثلا ليست ملزمة لهذه المنصات العابرة للحدود.
اذا كانت القصة تهرب ضريبي ، فقانون الضريبة كفيل بهم، فكل من يأخذ اجرا، او مكافأة، نظير الترويج على منصات التواصل الاجتماعي عليه ان يدفع ضريبة، والشركات او الافراد الذين يدفعون للمؤثرين، او صانعي المحتوى عليهم الافصاح عن ذلك، واقتطاع الضريبة المقررة سلفا.
الخوف من ارتكاب وسائل الاعلام، او صانعي المحتوى لجرائم انتهاك الخصوصية، او التعدي على الملكية الفكرية، او الحض على العنف والكراهية، او القدح والذم ، او اي جريمة اخرى، لا تحتاج نظام الاعلام الرقمي، والبيئة التشريعة الحالية بتكفي، وبتوفي، فعندنا قانون العقوبات الشامل، وايضا قانون الجرائم الالكترونية الذي عارضناه، وقانون المطبوعات والنشر، والاعلام المرئي والمسموع، وجملة من القوانين تغطي كافة المخالفات.
اخر ملاحظة متعلقة بالرسوم، او البدلات، او مهما كان المسمى.
هل هي ضرورية، هل هي مجدية، أم ان
الاهم ان نسأل كيف يمكن ان نحول الاعلام الى صناعة، كيف يصبح الاردن حاضنة لصانعي المحتوى ؟
في الاردن الاف الخريجين من كليات الاعلام بدون عمل، واخر مشروع اعلامي كبير نسبيا كان قناة المملكة.
قبل 26 عاما فكر الاردن في تأسيس منطقة اعلامية حرة، ومخاوفنا السياسية افشلتها، وذهبت لدبي.
اذا اردنا صناعة اعلام، ونكون حاضنة لصانعي المحتوى علينا ان نعزز مناخ حرية التعبير، ونقلص من التشريعات المقيدة، ونتجاوز الهواجس السياسية المقلقة، وتكون لدينا منظومة إعفاءات ضريبة، وتشجيع للاستثمار بهذه القطاعات، وان نتماشى مع تحولات العالم ، لا ان نحاول اخضاعها لعقلية الجيتو .
المطلوب نقاش هادئ لنظام الاعلام الرقمي يتجاوز المسميات، ودون ان نتقاذف الاتهامات، او شيطنة للاخر، والبحث عما يريده الاردن، وما ينفع انطلاقه نحو المستقبل.