يمثّل المجتمع الأردني لوحة متشابكة من العادات والتقاليد، حيث تشكّل العشائر جزءًا أساسيًا من النسيج الاجتماعي، وتؤثر في تكوين الهوية الوطنية وقيادة السلوك الجماعي للأفراد. العشيرة ليست مجرد وحدة اجتماعية، بل هي شبكة من القيم والعلاقات الممتدة عبر الأجيال، وتساهم في استقرار المجتمع وتنظيم حياته اليومية.
ومن خلال متابعتي للواقع الأردني وفهمي لطبيعة هذه البنى الاجتماعية، أرى أن المواقف التي تعبر فيها عشيرة ما عن رفض استقبال ضيف رسمي، كالسفير لدولة صديقة، ليست مجرد موقف عابر أو تعبيرٍ عن رفض محلي، بل تعكس حساسيات مركبة بين احترام التقاليد والمحافظة على الشرف الاجتماعي، وبين متطلبات العصر والانفتاح على العالم الخارجي.
ومن هذا المنطلق، فإنه ليس من مقتضيات الموقف أن تُغلق الأبواب في وجه الضيف؛ فالمصلحة العامة هي البوصلة، والمرونة في التعامل تمنح الجميع مساحة تحفظ الكرامة والقيم الرفض قد يحمل رغبة في حماية الخصوصية والقيم، لكنه ليس الخيار الوحيد. يمكن دائمًا إيجاد بدائل حكيمة تحفظ كرامة العشيرة وفي الوقت نفسه تضمن استمرار العلاقات الرسمية بسلاسة.
هذه المرونة، عندما ترافقها قراءة دقيقة للسياق وفهم لطبيعة العلاقات الاجتماعية والسياسية، تعكس قدرة المجتمع الأردني على التكيّف دون التخلي عن هويته، وتثبت أن الانسجام بين الانتماء للهوية الوطنية والالتزامات الدولية ممكن التحقيق إذا ما تم التحليل والتفكير فيه بعقل واعٍ.
وإلى جانب البعد الاجتماعي والسياسي، لا يمكن تجاهل أن المنطقة تمر بمرحلة حسّاسة ودقيقة، تتداخل فيها الأزمات الإقليمية مع الحسابات الدولية. في مثل هذا السياق الحذر، قد يقود أي تصرف غير مدروس أو غير دبلوماسي إلى فتح أبواب لا داعي لها؛ أبواب للشائعات، أو التأويلات الخاطئة، أو استغلال الموقف من قبل أطراف خارجية أو جماعات غير مسؤولة تعمل خارج القانون.
مثل هذه البيئات المتوترة تشكّل عادةً أرضًا خصبة للخطاب التحريضي أو “الذباب الإلكتروني” الذي يسعى إلى تضخيم الأحداث وإخراجها من سياقها الطبيعي، مما يضعف مناعة المجتمع ويشوّه صورة الدولة وجهودها.
إن أي توازن حقيقي لا يتحقق إذا بقيت المسؤولية على كاهل القيادة وحدها. المواطنون والمجتمع لهم دور أساسي في دعم جهود الدولة، فغالبًا وبلا قصد، نقوم أحيانًا بتصرفات تهدم ما تم بناؤه أو تعرقل مساعي التوافق الوطني. هذا لا يعني سوء نية، بل نقص فهم كامل لطبيعة العلاقة بين الحفاظ على القيم والانفتاح على العالم.
لذلك، من الضروري أن يكون المواطنون على نفس الخط، يساندون توجهات الدولة ويحترمون جهودها، لأن نجاح أي مشروع وطني، سواء في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي أو في تعزيز العلاقات الخارجية، يعتمد على تعاون الجميع، قيادةً وشعبًا، دون تناقض أو تقويض غير مقصود.
وأرى أن مثل هذه المواقف تقدم فرصة ثمينة لإعادة تقييم العلاقة بين التقاليد والانفتاح، بين الحفاظ على الانتماء المحلي ومراعاة المصلحة الوطنية. فهي تسمح بفهم حدود المجتمع ومسؤولياته، وتعزز وعيًا جماعيًا بأهمية التوازن بين احترام القيم والهوية، وبين متابعة متطلبات العصر والانفتاح على العالم الخارجي.
ومن خلال متابعتي وتحليلي للواقع، أقول أن التعامل الواعي مع هذه القضايا يعكس نضج المجتمع الأردني وقدرته على مواجهة التحديات بشكل مدروس، يحافظ على كرامة الأفراد والعشائر، ويضمن في الوقت نفسه استمرار العلاقات مع شركائه الدوليين.
في النهاية، أعتقد أن الحل الأمثل يكمن في الحوار المستمر، والمرونة، والتخطيط الدقيق لكل موقف، بحيث تحافظ العشائر على قيمها وتقاليدها، ويكون المواطنون ملتفين حول الجهود الوطنية، دون أن تتأثر المصلحة العامة والعلاقات الخارجية.
فالمجتمع الذي يستطيع الموازنة بين الهوية والانفتاح، بين الانتماء للماضي ومتطلبات الحاضر، هو مجتمع قادر على الاستمرار والنمو بثقة، ويؤكد أن قوة الانتماء لا تتعارض مع الانفتاح، بل تكمله، وأن التماسك الاجتماعي والوعي الوطني هما الضمانة الحقيقية لاستقرار الأردن وقدرته على مواجهة تحديات العصر.