اِنْهِيَارُ وَتَسَاقُطُ دُوَلِ النِّظَامِ العَالَمِيِّ…المُسْتَشَارُ الدُّكْتُورُ رِضْوَانُ أَبُو دَامِس

 

النِّظَامُ العَالَمِيُّ المُزَيَّفُ الَّذِي كَانَتْ تُسَيْطِرُ عَلَيْهِ مَا تُسَمَّى الدُّوَلُ العُظْمَى المُصَنِّعَةُ لِلسِّلَاحِ، وَالَّتِي كَانَتْ تَقُودُ الِاسْتِعْمَارَ سَابِقًا، وَتُعْلِنُ كَذِبًا أَنَّهَا النَّصِيرُ لِحُقُوقِ الإِنْسَانِ وَفَضِّ النِّزَاعَاتِ بَيْنَ الدُّوَلِ، (طَبْعًا مَا تُسَمَّى دُوَلَ العَالَمِ الثَّالِثِ المُتَوَاجِدَةِ فِي آسِيَا وَأَفْرِيقِيَا، وَبَعْضِ الدُّوَلِ المُجَاوِرَةِ لِأَمْرِيكَا، وَالَّتِي لَدَيْهَا كُلُّ الثَّرَوَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ)…

هٰذَا النِّظَامُ اِنْهَارَ تَمَامًا بَعْدَمَا سَيْطَرَتْ دَوْلَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَيْهِ، وَفَرَضَتْ سِيَاسَةَ الأَمْرِ الوَاقِعِ، وَالَّتِي كَانَتْ تُعْتَبَرُ، بِالنِّسْبَةِ لِدُوَلِ النِّظَامِ، أَنَّهَا حَلِيفَةٌ لَهُمْ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَأَعْلَنَتْ بِكُلِّ صَرَاحَةٍ أَنَّهَا صَاحِبَةُ الحَقِّ دُونَ مُنَازِعٍ فِي الِاسْتِحْوَاذِ عَلَى المَعَابِرِ المُهِمَّةِ وَالمَنَاطِقِ الجُغْرَافِيَّةِ، وَمَا عَلَيْهَا مِنْ ثَرَوَاتٍ، مَهْمَا كَانَ حَجْمُهَا وَنَوْعُهَا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الجِهَةِ المَسْؤُولَةِ عَنْهَا، دُونَ الحَاجَةِ لِأَيِّ مُوَافَقَةٍ أَوْ حَتَّى مُنَاقَشَةِ الأَمْرِ…

هٰذَا الحَدَثُ لَيْسَ وَلِيدَ مُخَطَّطٍ أَوْ قَرَارٍ فَرْدِيٍّ جَدِيدٍ، بَلْ هُوَ مُخَطَّطٌ سَابِقٌ لِدَوْلَةٍ عَمِيقَةٍ، لَدَيْهَا كُلُّ الأَدَوَاتِ وَالإِمْكَانِيَّاتِ، لِتُحَدِّدَ سَاعَةَ الإِعْلَانِ عَنْهُ، وَاخْتِيَارَ الوَقْتِ وَالظَّرْفِ المُنَاسِبِ لِلتَّنْفِيذِ، وَالشَّخْصَ الَّذِي سَوْفَ يَكُونُ مُقَدِّمًا لِلنَّشْرَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ المُبَرِّرَاتِ الَّتِي وُضِعَتْ لِهٰذِهِ الغَايَةِ، لِضَمِّ أَرَاضٍ جَدِيدَةٍ لِعُهْدَتِهَا.

وَالظُّرُوفُ الحَالِيَّةُ، بَعْدَ الفَخِّ المُحْكَمِ وَالمَطَبِّ الَّذِي وَقَعَتْ بِهِ الدُّوَلُ الأُورُوبِّيَّةُ وَرُوسْيَا فِي حَرْبِ أُوكْرَانِيَا، وَالِاسْتِنْزَافِ المُسْتَمِرِّ جَرَّاءَ هٰذَا الصِّرَاعِ، وَضَعْفِ مَا يُسَمَّى مَجْلِسَ الأَمْنِ؛ فَإِنَّهُ لَا سُلْطَةَ وَلَا قَرَارَ وَلَا سَبِيلَ لِلرَّفْضِ لَدَى أَيِّ جِهَةٍ سَوْفَ تَتَضَرَّرُ مِنْ سِيَاسَةِ الدَّوْلَةِ القَوِيَّةِ، سِوَى اسْتِخْدَامِ الوَسَائِلِ الَّتِي كَانَتْ دُوَلُ العَالَمِ الثَّالِثِ تَلْجَأُ إِلَيْهَا لِلتَّظَلُّمِ دُونَ جَدْوَى…

طَبْعًا لَنْ يَتَوَقَّفَ الأَمْرُ عِنْدَ هٰذَا الحَدِّ، بَلْ سَوْفَ تَبْدَأُ الآنَ صِرَاعَاتٌ وَتَحَالُفَاتٌ جَدِيدَةٌ مَعَ دُوَلٍ كَانَتْ تُعْتَبَرُ دُوَلًا عُدْوَانِيَّةً لَهُمْ، وَتَخْصِيصُ مُوَازَنَاتٍ إِضَافِيَّةٍ لِصَرْفِهَا عَلَى التَّسَلُّحِ، وَبِنَاءِ قُدُرَاتٍ عَسْكَرِيَّةٍ جَدِيدَةٍ، عَلَى حِسَابِ مُوَازَنَاتِ التَّقَدُّمِ التِّكْنُولُوجِيِّ وَالتِّقْنِيِّ وَالفَنِّيِّ، وَتَطْوِيرِ القُدُرَاتِ وَالبَرْمَجِيَّاتِ، وَرَفَاهِيَّةِ المُوَاطِنِينَ، لِمُحَاوَلَةِ الوُقُوفِ مِنْ جَدِيدٍ فِي السَّاحَةِ الدُّوَلِيَّةِ، وَلَوْ عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، وَإِمْكَانِيَّةِ الحُصُولِ مُسْتَقْبَلًا عَلَى جُزْءٍ مِنْ بَقَايَا مَا سَوْفَ يُتْرَكُ لَهَا مِنَ الدَّوْلَةِ صَاحِبَةِ القَرَارِ المُسَيْطِرَةِ عَلَى المَنَاطِقِ، وَالَّتِي بَدَأَتْ أَوْ تُفَكِّرُ بِالسَّيْطَرَةِ عَلَى مَنَاطِقَ أُخْرَى مُنْفَرِدَةً، بِأَيِّ وَسِيلَةٍ تُحَقِّقُ الغَايَةَ، عَلَى حِسَابِ الدُّوَلِ الَّتِي كَانَتْ لَهَا كَلِمَةٌ فِي القَرَارِ السِّيَاسِيِّ وَالِاقْتِصَادِيِّ وَالعَسْكَرِيِّ وَالدِّبْلُومَاسِيِّ…

القَادِمُ لِلدُّوَلِ الَّتِي كَانَتْ تَعْتَبِرُ نَفْسَهَا تشارك بالقرار الدولي لَا يُبَشِّرُ بِالخَيْرِ، بِنِسَبٍ مُتَفَاوِتَةٍ مِنْ حَيْثُ النَّتَائِجُ السَّلْبِيَّةُ لِهٰذَا الوَضْعِ الجَدِيدِ، لَا سِيَّمَا وَأَنَّ هُنَالِكَ دُوَلًا قَوِيَّةً لَمْ تَكُنْ ضِمْنَ التَّحَالُفِ الأَمْرِيكِيِّ الأُورُوبِّيِّ، تَمْتَلِكُ قُدُرَاتٍ عَسْكَرِيَّةً وَاقْتِصَادِيَّةً هَائِلَةً، لها سَيْطِرَةً عَلَى مَفَاصِلِ كَثِيرٍ مِنَ الصِّنَاعَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا العَالَمُ، وَدُوَلًا صُنِّفَتْ سَابِقًا عَلَى أَنَّهَا دُوَلٌ مُعَادِيَةٌ لِلْقَرَارَاتِ الدُّوَلِيَّةِ، لَدَيْهَا وُجُودٌ دُوَلِيٌّ وَإِمْكَانِيَّاتٌ عَسْكَرِيَّةٌ كَبِيرَةٌ لَا تَخْضَعُ لِلْمُرَاقَبَةِ وَالتَّفْتِيشِ… وَدُوَلٌ عَرَبِيَّةٌ أَصْبَحَ لَدَيْهَا وُجُودٌ عَسْكَرِيٌّ وَاقْتِصَادِيٌّ، وَحُضُورٌ قَوِيٌّ فِي المَحَافِلِ الدُّوَلِيَّةِ، بَدَأَتْ بِإِبْرَامِ تَعَاوُنٍ عَسْكَرِيٍّ وَتَحَالُفَاتِ دِفَاعٍ مُشْتَرَكٍ، وَفَرْضِ وُجُودِهَا عَلَى السَّاحَةِ الَّتِي يَصْدُرُ مِنْهَا القَرَارُ بِقُوَّةٍ…

نَعَمْ، أَصْدِقَاءُ مَصَالِحِ الأَمْسِ أَصْبَحُوا أَعْدَاءً… وَالمُتَضَرِّرُ لَا يَمْلِكُ سِوَى الشَّكْوَى وَالِاسْتِنْكَارِ، وَالتَّوَجُّهَ إِلَى اللهِ تَعَالَى لِمَدِّ يَدِ العَوْنِ لَهُمْ، عَلَى هٰذَا الِانْهِيَارِ الدُّوَلِيِّ الَّذِي لَمْ يَتَوَقَّعْ أَحَدٌ حَجْمَهُ فِي هٰذَا الوَقْتِ وَهٰذِهِ السُّرْعَةِ…

وَالدُّوَلُ الَّتِي سَوْفَ تَنْجُو مِنْ تَبِعَاتِ هٰذِهِ الصِّرَاعَاتِ وَالنَّتَائِجِ المُتَوَقَّعَةِ لِهٰذِهِ الأَزْمَةِ، هِيَ الدُّوَلُ الَّتِي تَتَمَتَّعُ بِالدِّبْلُومَاسِيَّةِ الدُّوَلِيَّةِ المُتَّزِنَةِ مَعَ الجَمِيعِ سَابِقًا، وَلَدَيْهَا تَجَارِبُ شَبِيهَةٌ بِالوَضْعِ الرَّاهِنِ، وَتَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ التَّعَامُلِ مَعَهُ، وَقِيَادَةُ الأُرْدُنِّ – دُونَ مُجَامَلَةٍ – سَوْفَ تَنْجُو مِنَ التَّبِعَاتِ المُتَوَقَّعَةِ، وَالَّتِي لَنْ تُرْضِيَ سِيَاسَاتٍ كَثِيرَةً…