هؤلاء لا يناقشون الوطن…
هم يسكبون كلماتٍ بذيئة مثل رائحتهم النتنة،
ثم يختبئون خلف ستارةٍ من قذاراتهم.
يمشون بمحاذاة الجدران،
يقضمون الأساس،
ثم يصرخون: تعبير رأي!
يسرقون المفتاح،
ثم يكسرون الباب.
يخرجون من الشقوق كفئرانٍ وخنافس.
الفأر والخنفساء من فصيلةٍ واحدة:
هذا يقضم ليختبئ،
وتلك تُلمّع نفسها لتُخفي العفن.
الفأر يسرق،
والخنفساء تأكل الروث،
وكلاهما يهرب
عند أول حقيقة.
كاتبُ السراب، مثل نافخ الكير، لا يكتب.
هو ينفخ في صدره،
ويفتح الصفحة كما تُفتح بالوعة،
ويقول: هذه الحقيقة.
والحقيقة، يا سادتي،
لا تمرّ من إناءٍ صدئ.
فكلُّ إناءٍ ينضح بما فيه،
وهذا الإناء ينضح خوفًا وضيقًا،
وكرهًا لوطنٍ قائم
لا يحتاج لأمثاله.
يكره السؤال
لأنه مرآة الحقيقة،
ويكره الدليل لأنه يحرجه.
فيستبدل الفكرة بالصراخ،
والاسم بالإشارة،
والبرهان بالشائعة.
هي خنفساءٌ بجلد حرباء:
لونٌ يتبدّل مع أعلى صوت،
وموقفٌ يذوب عند أول مساءلة.
تُسلِّط عينها كأفعى تنتظر فريستها،
تحدّق حتى تتعب الحقيقة،
ثم تلتقط كلمةً مبتورة
في جملةٍ غير بريئة،
وتحاول أن تُشعل بها حريقًا.
أيتها الخنفساء المتلوّنة كحرباء،
مؤسسات الوطن لا تُحرق،
بل الخنافس التي تأكل نفسها كالنيران.
يسمّون الدخان موقفًا،
والصراخ بطولة،
والتلوّن حكمة.
لكن الوطن
يبقى
واقفًا،
بمؤسساته،
برجاله الأوفياء.
في النهاية،
النار الكاذبة لا تُنضج،
والحبر لا يغسل النوايا،
والسراب لا يصير ماءً
ولو كتبتَه ألف مرة بماء الذهب.
وعند أول موقف
تسقط الأقنعة، وتظهر الأسماء،
وتبقى الحقيقة وحدها شاهدة:
من يسكن المغارة لا يحتمل النور.