المعنى والمبنى في رواية “وانشق القمر” لسمر الزعبي . بقلم: ابتسام الحسبان

 

.
إن الحفر في أي نص يتطلب البحث في سؤالين رئيسيين، الأول يتعلق بماهية السؤال الفلسفي الذي يؤرق الكاتب، ويدفعه لإبداع العمل، والرؤية المعرفية التي تُشكلها خبراته ومعارفه ومعتقداته. أما السؤال الثاني فيبحث في الأسلوب، الذي هو عماد النص الذي يقوم عليه، وبه يتم تحقيق الهدف الأول، عن طريق السرد والحبكة والبناء الزمني والمكاني والشخصيات وغيرها، وعليه يعتمد الجزء الأكبر من نجاح العمل.
في رواية “وانشق القمر” للكاتبة سمر الزعبي، يمكن استشفاف أن تلك الأسئلة التي بني عليها النص تدور حول ثنائية الحرية/المسؤولية، ولا تعالج الكاتبة هنا غياب القيود الخارجية، وإنما امتلاك الفرد القدرة على تحديد مسارات حياته، وتحمل مسؤولية تلك الاختيارات ونتائجها على ذاته وعلى مجتمعه. وتدخل الزعبي إلى الثنائية من خلال سؤال الحرية الوجودي، فالهُوية ليست معطىً جاهزاً، وإنما تُشكلها رحلة الذات لبناء عالمها، عبر تجاربها الخاصة، وتفاعلها مع الآخر، ومواجهة نتائج اختياراتها.
تختار الكاتبة للغوص في رؤيتها المعرفية موضوعات اجتماعية تقليدية، الحب، العائلة، الفقر، الخيانة، التضحية، الإجرام، السلطة الذكورية، الفساد، الفروقات الطبقية، الخطيئة، الإجهاض، العقم، المرض، الظلم، الثأر، تعدد الزوجات، الخرافات والشعوذة، وهي موضوعات كثيرة لرواية واحدة، ربما كان من الأجدى الاقتصار على موضوعين أو ثلاثة حتى لا يتشتت القارئ، وتتمكن من معالجتها بجودة أعلى، وترك المواضيع الأخرى لأعمال قادمة.
امتلكت الشخصيات في الرواية مدىً من الحرية، أو أنها انتزعت تلك الحرية انتزاعاً في مجتمع محافظ، لتجرب الشخصيات ذاتها، وتختبر قدرتها على الاختيار الأخلاقي في مواضع متعددة، ابتداء من علاقات الحب والصداقة بين الشخصيات الرئيسية، التي أمدتهم بالجرأة لاستئجار شقة تجمعهم وتخبئهم عن عيون المراقبين. تذكّر الشقة برواية “شقة الحرية” لغازي القصيبي، كرمز لمساحة يُختبر فيها وهم الحرية، الذي يصطدم بالواقع لاحقاً، تختبر الشخصيات في هذه الشقة حريتها الجسدية والأخلاقية، وتتنوع اختياراتها بتنوع هُوياتها ومرجعياتها.
فسارة وجهاد يختاران الحرية المسؤولة، إذ يرفضان ممارسة الفعل الجسدي ويؤجلانه لوقت حدوث الزواج؛ وللمفارقة فإنهما الثنائي الذي يعاني لاحقاً من عدم الإنجاب، لتُظهر الزعبي أن الاختيار الأخلاقي ليس بالضرورة هو الاختيار الذي يكافَئ عليه لاحقاً. أما منار ومروان فيذهبان في اختبار حريتهما حتى النهاية، فيحدث الحمل الذي يكون عليهما تحمل مسؤوليته، فيختاران الإجهاض، الذي يؤثر لاحقاً على مسار حياتهما، حيث يبقى مفهوم الشرف الذكوري، وذنب قتل روح معهما على طول الحبكة. وكذلك فإن الثنائي رهف وعامر، يختبران ملذات الجسد، ليس باعتبارها فعلاً جسدياً فقط، وإنما صراعاً طويلاً بين الحب والمصلحة، يتفتق عنه الخداع والانتقام نتاجاً لتلك الاختيارات.
أما عن سؤال الأسلوب؛ تتبع الزعبي أسلوب (الرواية الكلاسيكية الجديدة)، فتقدم حبكة واضحة، وزمناً سردياً منطقياً، يتقدم من الحاضر نحو المستقبل، كما تقدم الرواية سببية مقنعة بين الأحداث، ووضوح في دوافع وسلوكيات الشخصيات، في شرح مسهب لخلفيات الشخصيات العائلية، تقدمها في سرد مباشر، مليء بالوصف، إلا أنه في بعض المواضع وصف زائد عن الحاجة، إذ لا يترك مكاناً للخيال من ذلك الوصف التفصيلي مثلاً للبيوت، أو الغرف، أو صالات الجلوس، إذ كان بالإمكان الاكتفاء ببعض جمل تمكن القارئ من تكوين ملامح المكان، وتوجه ذكاءه لفهم الوضع الاقتصادي، أو الاختلاف الطبقي بين الشخصيات.
إلا أن الزعبي تتمكن بذكاء من كسر الحاجز السردي التقليدي، بظهور الكاتب في حكايته، وهو ظهور يعي به قدرته على خلق عالم وهمي، ثم هدم هذا الوهم والتشكيك فيه، والميتاسرد آلية للتفكير السردي، تكشف دلالة أعمق، وتكسر توقعات القارئ. وظهور الكاتب في نصه وعي بتناقض وجوده بين عالمين، عالم حقيقي معاش، وعالم وهمي، وهو تشكيك بمصداقية الكاتب وسلطته، وزعزة منطق الحقيقة الواحدة، وتمكين القارئ من مساءلة الأحداث ونقدها.
تظهر المفارقة على شكل صراع بين الكاتبة سمر والشخصية الرئيسية رهف، إذ إن رهف تعي دورها المحكوم بالجبرية، وسلطة الكاتبة على مجريات الأحداث، وتحكمها بمصائر الشخصيات، إلا انها ترجو الكاتبة ألا تشطب تلك الأحداث التي تعرفت فيها على الشلة، وجلبت لها الحياة وأبعدت عنها الوحدة. وفي مشاهد أخرى تحاكم الكاتبة نصها، وتسائل رهف عن المصدر الذي حصل منه عامر وجهاد على المال، إذ لا يذكر في السرد، مما يزعزع من مكانة الكاتب في نصه، ويوسع من دور الشخصية في روي المخفي من الأحداث.
مع تقدم الحدث تتسرب السلطة من بين يدي الكاتبة، إذ تعي رهف أن سلطة الكاتبة سلطة وهمية، وأنها لا تسيطر على حبكتها، وببعض الجهد يمكنها إعادة خلق ذاتها، واستلام زمام حياتها. تنقلب الأدوار، الكاتبة تصبح قارئاً يلاحق الشخصية، والشخصية كاتبةً تستلم دفة الحكي. وهنا تظهر الثيمة الأساسية للرواية “الحرية مسؤولية عن الذات وليست استسلاماً للواقع”، فما أن ينظر الإنسان إلى أنه خالق معنى حياته، حتى يتحمل مسؤولية هذه الحياة، ويصنع منها النسخة التي يحب أن يعيشها.


الشخصيات في الرواية متنوعة، تأتي من محافظات مختلفة (عمان/جرش/مادبا) مما يضفي تنوعاً ثقافياً على النص، ويعطي نكهة مميزة للغة والحدث والمعرفة. معظم الشخصيات شخصيات نامية، تتغير مواقفها وأحلامها وردات أفعالها، متأثرة بخبراتها وتجاربها واحتكاكها بالآخرين، عدا رهف، التي تبقى على سذاجتها وطيبتها، حتى تأتي لحظة التعرف المؤلمة، وهو أمر مفهوم ضمن رؤية الكاتبة، التي تركت للبطلة أن ترسم نهاية قصتها بيدها، وتقلب الموازين في آخر الحكاية.
قدمت الزعبي سرداً متماسكاً، وحبكة ممتعة، بلغة بسيطة ومباشرة، تتخللها فقرات شاعرية أحياناً، وأحياناً تغلب عليها خطابة تضعف استمرارية السرد. معظم الحوارات خدمت الحكاية، وجاءت مختلطة بين الفصحى والعامية، أما الراوي في الرواية متعدد، مما سمح بفهم أعمق لعالم الشخصيات الداخلي، وعدم سيطرة صوت واحد على الروي، كما نجحت في تقديم نهاية مختلفة، مفاجئة لتوقعات القارئ.