كشف (7/10) عن فشل أمني واسع ومأزق أعمق ، حيث عجز الكيان الصهيوني عن محاسبة نفسه دون أن يهتز توازنه السياسي والمؤسسي. المشكلة لم تعد في معرفة من أخطأ، بل في الخوف من أن يؤدي فتح ملف الإخفاق إلى تفكيك منظومة القرار القائمة. لذلك تحولت المحاسبة من استحقاق طبيعي بعد الفشل إلى تهديد مباشر للنظام نفسه.
داخل الكيان، لا يدور الخلاف حول حقيقة الإخفاق، فهذه باتت مسلّمًا بها ضمنيًا لدى جميع الأطراف، بل حول إدارة نتائجه. أي مسار محاسبة واضح ومكتمل يعني تثبيت رواية رسمية للفشل، وهذه الرواية ستفرض بالضرورة تغييرات قسرية في القيادة السياسية، وربما في قواعد اتخاذ القرار بين المستوى السياسي والعسكري والأمني. هذا ما تخشاه جميع الأطراف، ولذلك يجري التعامل مع المحاسبة كملف يجب إبقاؤه مفتوحًا شكليًا ومغلقًا عمليًا.
تحرك مراقب الدولة في الكيان لم يكن عبثيًا. استمرار تأجيل التحقيقات بحجة الحرب والظروف الاستثنائية خلق سابقة خطيرة، حيث تحولت الحالة الطارئة إلى غطاء دائم لتعطيل المساءلة، مراقب الدولة أدرك أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى تمييع الفشل وتحويله إلى خلل تقني محدود، لذلك سعى إلى تثبيت حد أدنى من المحاسبة، لمنع إقفال الملف دون مساءلة مؤسسية .
في المقابل، المحكمة العليا تخشى أن يؤدي فتح مسار تحقيق خارج الأطر التقليدية إلى خلق سابقة تفقدها القدرة لاحقًا على التحكم بإيقاع المحاسبة، كما أن انفلات مسار التحقيق قد يحول المحكمة نفسها إلى هدف للتشكيك أو الاتهام. لذلك سعت إلى ضبط الإطار القانوني للمحاسبة، حتى لو أدى ذلك عمليًا إلى إبطاء المساءلة.
أما نتنياهو، فيتعامل مع المحاسبة باعتبارها خطرًا سياسيًا وجوديًا، لهذا عمل على نقل النقاش من جوهر الإخفاق إلى الجدل حول الصلاحيات والآليات والتوقيت ، لكسب الوقت ومنع تركّز المسؤولية السياسية عنده، وإعادة توزيع مركز القرار داخل الدولة. هذا المسار يكلّفه تآكلًا في صورته داخل النخبة والمؤسسة الأمنية، لكنه يمنحه هامش حركة ويؤخر لحظة المواجهة الحاسمة.
مؤسسة الجيش تمثل الحلقة الأكثر حساسية في هذا المشهد ، لادراكها أن فتح تحقيق شامل سيكشف إخفاقات في الجاهزية والتقدير والانتشار، لكنه في الوقت نفسه يتحمل العبء الميداني لأي قرار سياسي. صمته لا يعني الرضا، بل يعكس حذرًا مؤسسيًا من الانجرار إلى صراع داخلي قد يؤدي إلى تسييسه أو تحميله مسؤولية شاملة عن فشل لم يكن وحده صانعه. لذلك يفضّل بقاء الملف معلقًا إلى حين اتضاح الاتجاه السياسي العام.
تعليق المحاسبة لا يخدم نتنياهو وحده. هناك خوف مشترك داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية والقضائية من أن يؤدي فتح التحقيق الكامل إلى كشف إخفاقات تراكمية في التقدير الاستخباراتي وآليات الإنذار المبكر وبنية اتخاذ القرار. هذا الخوف خلق صمتًا مؤسسيًا منظمًا، تتلاقى فيه مصالح أطراف مختلفة على إبقاء الملف عالقًا، رغم اختلاف دوافعها. بذلك لم يعد غياب المحاسبة خللًا مؤقتًا، بل سلوكًا ثابتًا.
انعكاسات هذا الوضع واضحة في السلوك الإقليمي للكيان الصهيوني. غياب محاسبة داخلية واضحة يدفع القيادة إلى استخدام السياسة الخارجية لتعويض الارتباك الداخلي. الكيان لا يستطيع الذهاب إلى حرب شاملة لأنها قد تفرض لحظة مساءلة قسرية، ولا يستطيع التراجع لأن ذلك سيُفسَّر كضعف ناتج عن الفشل. النتيجة سلوك قائم على ضربات محدودة ورسائل ردعية محسوبة دون حسم. الجبهة الشمالية تُدار لمنع الانفجار لا لحسم الصراع، وإيران تُحتوى بدل مواجهتها، وغزة تُدار كملف ضغط مستمر دون أفق سياسي. هذا نمط إدارة مخاطر لا استراتيجية حسم.
المسار الأرجح هو استمرار تعليق المحاسبة بشكل منظم، بحيث لا يُغلق الملف ولا يُفتح، بانتظار حدث سياسي أو أمني يفرض الحسم. لكن كلما طال هذا التعليق، تراجعت قدرة أي تحقيق لاحق على استعادة الثقة أو ترميم الشرعية. عندها لن يكون تغيير القيادة أو تشكيل لجنة تحقيق كافيًا، لأن الأزمة ستكون قد انتقلت من فشل أمني إلى أزمة شرعية قرار.
وفي حال فرض لجنة تحقيق تحت ضغط داخلي قبل الوصول إلى تلك النقطة، مع محاولة التحكم بنتائجها، قد يؤدي إلى اضطراب سياسي وانكفاء نسبي في السلوك الإقليمي. أما المسار الأخطر، وإن كان الأضعف احتمالًا، فهو انفجار غير متحكم به للمساءلة عبر تسريبات أو تطورات مفاجئة، قد تعيد تشكيل المشهد السياسي والأمني بشكل أعمق.