توضيح الحقائق: لا فضيحة في رواتب سلطة إقليم البترا… الدقة القانونية أولًا

كتبت _ رزان عبد الهادي

في الآونة الأخيرة، أثار موضوع رواتب مجلس مفوضي سلطة إقليم البترا التنموي السياحي جدلاً واسعًا في الأوساط الإعلامية والسياسية، وتسبب ببعض الاحتقان بين المواطنين بسبب تداول أرقام غير دقيقة عبر منصات التواصل الاجتماعي. هنا تجدر الاشارة انه يبدو أن حبّنا الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي أنسانا دورها الحقيقي؛ فاستعادة الحقوق، وتقديم الشكاوى، أو التشكيك في أي قضية أو شخص، يجب أن يتم عبر القانون ومؤسسات الدولة، لا من خلال نشرها على المنصات، ولا عبر محاولات يائسة لحقن الشارع، وهو شارع مُثقل أصلًا بظروف اقتصادية واجتماعية صعبة.

بداية، من المهم أن يكون النقاش حول ما هو الأهم فعلاً، هل نريد فقط أن نعرف متى تنتهي ولاية مجلس المفوضين، أم أن الأهم هو أن نراجع ما تم إنجازه على الأرض؟ وفقًا لقانون سلطة إقليم البترا رقم 15 لسنة 2009 وتعديلاته، يُعيَّن أعضاء مجلس المفوضين لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد، وقد بدأ المجلس الحالي عمله في أكتوبر 2023، ما يعني أن ولايته القانونية تمتد حتى أكتوبر 2027 ما لم يُعلن عن تعديل أو تجديد مسبق.
أي حديث عن انتهاء الفترة قبل هذا التاريخ يفتقر إلى الدقة القانونية، لا سيما مع تكرار الجدل حول نية التمديد لمجلس لم تنته ولايته أساسًا. لكن ما لا يقل أهمية عن السؤال متى تنتهي الولاية هو ما أنجزه المجلس خلال فترة ولايته، وهو الأمر الذي يجب أن يكون محور النقاش الحقيقي بدل التركيز على الرواتب فقط.

الى ذلك، تُظهر البيانات الرسمية أن مدينة البترا الأثرية سجلت خلال عام 2025 تحسنًا واضحًا في أعداد الزوار مقارنة بعام 2024، بعد التراجع الذي سببه السياق الإقليمي والعالمي. بلغ إجمالي عدد الزوار نحو 582,550 زائرًا بزيادة 27% عن العام السابق، كما ارتفعت أعداد الزوار الأجانب بنسبة 45%، وهو مؤشر مهم على استعادة الثقة بالبترا كوجهة سياحية عالمية.

في شهور معينة، أعلنت السلطة عن معدلات نمو عالية في أعداد الزوار، مثل زيادة بنسبة 99% في الزوار الأجانب في نوفمبر الماضي، ما يعكس تحسنًا في حركة السياحة مقارنة بالعام السابق، إضافة إلى اهتمام السائحين بالمنتجات والخدمات المتوفرة في الإقليم.

إلى جانب ذلك، أطلقت السلطة برامج ومبادرات تسهم في تنمية المجتمع المحلي وتعزيز البنية التحتية السياحية، بما في ذلك تطوير أنظمة تنظيم الأراضي، وإطلاق فعاليات سياحية وثقافية، وتنفيذ مشاريع بيئية بالتعاون مع شركاء محليين ودوليين.

من جانب اخر، فإن النواب في البرلمان لهم دور رقابي وتشريعي واضح، ويحق لهم السؤال عن الأمور المالية والإدارية لأي جهة حكومية، بما فيها سلطة إقليم البترا، وذلك ضمن صلاحياتهم الرقابية.

لكن ما نلاحظه في بعض التصريحات هو أن المطالبات النيابية انحصرت بشكل كبير في نقطة واحدة تتعلق بالرواتب، حتى أصبحت أشبه بضخ حرب في الشارع ومحاولة لإثارة الشكوك وكأننا نريد خلق مشاكل لا وجود لها في الواقع العملي أو القانوني.

من المهم التأكيد على أن النواب ليسوا جهة تنفيذية لتحديد الرواتب أو القرارات الإدارية، بل يوجهون الأسئلة والملاحظات على الحكومة والجهات الرسمية لضمان الشفافية والمساءلة. أي نقاش نيابي حول الرواتب يجب أن يُفهم في هذا السياق وليس على أنه قرار تنفيذي أو معيار نهائي.

في هذا السياق، تم تداول خبر يرتبط ان راتب رئيس مجلس مفضوضي سلطة اقليم البترا يفوق 6500 دينار شهريًا، وقد أثار هذا الرقم ردود فعل متنوعة. من المهم التوضيح أن هذا الرقم لا يشكل فضيحة أو تجاوزًا للقانون، فالرواتب والمكافآت الرسمية تُحدَّد بقرار من مجلس الوزراء وفقًا للقوانين واللوائح المالية المعمول بها، والمجلس قد يقترح مكافآت إضافية ضمن الحدود القانونية.

أي تداول لهذا الرقم خارج سياقه القانوني والرقابي يعد مبالغة إعلامية لا تعكس الواقع، ولا يساعد الرأي العام على فهم الدور الحقيقي للمجلس.

من الجدير بذكره مجلس مفوضي سلطة إقليم البترا ليس مجرد هيئة رسمية تُدار من أعلى، بل هو أداة أساسية لتنمية الإقليم سياحيًا، اقتصاديًا، اجتماعيًا وثقافيًا. يعمل المجلس على حماية التراث الأثري والتاريخي، دعم المشاريع التنموية والخدمات السياحية، تحسين جودة الخدمات والبنية التحتية، تمكين المجتمع المحلي اقتصاديًا، وتعزيز الاستقرار السياحي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

التقليل من أهمية هذا الدور أو التركيز على جوانب جانبية، دون الالتزام بالوقائع القانونية والإنجازات الملموسة، يضر بصورة الإدارة العامة ويشوّه الفهم العام لدور المؤسسات في الأردن.

لذلك، يجب على الجميع الالتزام بالدقة في نقل المعلومات، والاعتماد على القانون والمؤسسات الرسمية عند تناول أي أخبار عن مجلس المفوضين، وعدم الانجراف وراء الشائعات أو التفسيرات غير الدقيقة التي تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي. فالدقة القانونية والالتزام بالإجراءات الصحيحة هما الأساس لضمان استقرار المؤسسات وثقة المواطنين في إدارتها، وحماية حقوق الجميع بما في ذلك حق النواب في الرقابة وحق المجتمع في المعرفة الصحيحة، دون إثارة احتقان غير مبرر.