د.خلدون نصير
في الأصل، الرقمنة ليست مشكلة. بل هي خطوة مطلوبة ومحمودة إذا أُحسن تصميمها وتطبيقها.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرقمنة من أداة لتسهيل حياة الناس إلى قيدٍ جديد يربك المعاملات ويهدد الحقوق، ويخلق أزمات لم تكن موجودة أصلاً.
ما يجري اليوم في دائرة الأراضي والمساحة يستحق وقفة جادة من الحكومة، لا من باب الاعتراض على التطوير، بل من باب الحرص على أن يكون التطوير ذكياً، مرناً، ومراعياً لطبيعة المعاملات العقارية وتعقيداتها.
أولاً: الموعد ليس عقد إذعان
آلية المواعيد الحالية تفرض على صاحب المعاملة حجز موعد مسبق وتثبيته إلكترونياً، وفي حال التأخر عن الموعد يُلغى تلقائياً ويُطلب من المواطن حجز موعد جديد.
نظرياً قد يبدو هذا تنظيماً منطقياً، لكن عملياً هو تجاهل لواقع المعاملات العقارية التي غالباً ما تشمل عدة شركاء وتحتاج إلى تنسيق وتواقيع متعددة.
التأخر لدقائق قد يكون نتيجة ازدحام مروري، أو تأخر أحد الأطراف، أو ظرف طارئ خارج عن إرادة الجميع. فهل يُعقل أن تضيع معاملة بيع أو إفراز أو نقل ملكية بسبب تأخر بسيط؟ وهل يُعقل أن يُعاد كل شيء من نقطة الصفر لأن النظام شطب الموعد دون أي هامش مرونة؟
الدولة هنا لا تنظّم الوقت فحسب، بل تعاقب المواطن على ظروف قد لا يملك السيطرة عليها.
ثانياً: 20 دقيقة لملف قد يغيّر مصير أسرة
تحديد عشرين دقيقة لكل معاملة، بغض النظر عن طبيعتها وعدد أطرافها، هو تبسيط مخلّ قد يحمل آثاراً خطيرة.
المعاملة العقارية ليست إجراءً بسيطاً؛ هي في كثير من الأحيان بيع عقار بقيمة كبيرة، أو تصفية تركة، أو إفراز حصص بين شركاء، أو فك رهن مرتبط بالتزامات مالية معقدة.
إذا انتهت الإجراءات ورقياً ولم تُستكمل على النظام بسبب انتهاء الوقت المحدد، تُؤجل المعاملة ليوم آخر.
هنا تبدأ المخاطر الحقيقية: قد يُفرض حجز تحفظي، أو يصدر قرار قضائي، أو يتراجع أحد الشركاء عن موافقته، أو تحدث واقعة وفاة، أو يدخل دائن جديد على الخط. خلال 24 ساعة فقط قد يتغير كل شيء.
السؤال الجوهري: من يتحمل تبعات هذا التأجيل؟ المواطن وحده، بينما النظام يبقى محصناً خلف قيوده الزمنية.
ثالثاً: تراجع الإنجاز… وخسارة للخزينة
وفق ما يؤكده عدد من موظفي الدائرة، فإن عدد المعاملات المنجزة يومياً قبل تطبيق هذه الآلية كان أعلى بكثير من العدد الحالي.
إن صحّ ذلك، فنحن أمام معادلة مقلقة: معاملات أقل تعني رسوماً أقل، وإيرادات أقل للخزينة، ووقتاً أطول للمراجعين، وضغطاً أكبر على الموظفين.
الرقمنة التي تؤدي إلى تقليل الإنتاجية لا يمكن اعتبارها إصلاحاً إدارياً ناجحاً.
الهدف من الأتمتة هو رفع الكفاءة وتسريع الإنجاز، لا خلق عنق زجاجة جديد تحت مسمى التنظيم.
التجارب الناجحة في التحول الرقمي حول العالم اعتمدت تصنيف المعاملات حسب تعقيدها، ووفرت مرونة زمنية، وأتاحت صلاحيات تمديد فوري للموظف عند الحاجة. أما وضع الجميع في قالب زمني واحد فهو تبسيط قد يضر أكثر مما ينفع.
رابعاً: أين مفهوم “حماية الحق”؟
الملكية العقارية من أخطر وأهم الحقوق القانونية. أي تأخير غير مبرر قد يخلق نزاعات أو خسائر مالية أو تعقيدات قضائية يصعب معالجتها لاحقاً. فإذا أتمّ الأطراف جميع التواقيع وبقي فقط التثبيت الإلكتروني، فهل من المنطقي أن تضيع أولوية المعاملة بسبب انتهاء العشرين دقيقة؟
لماذا لا تُمنح صلاحية تمديد الجلسة للموظف عند الحاجة؟ لماذا لا يُنشأ وضع مؤقت يحفظ أولوية المعاملة حتى نهاية يوم العمل؟ لماذا لا يُراعى أن بعض الملفات تحتاج وقتاً أطول بطبيعتها؟
التحول الرقمي الحقيقي يعني حماية الحق قبل حماية الجدول الزمني. النظام يجب أن يخدم العدالة، لا أن يتسبب في إرباكها.
خامساً: الرقمنة ليست هدفاً… بل وسيلة
الحكومة تتحدث عن تحسين بيئة الأعمال، وتسهيل الاستثمار، وتسريع الخدمات، ورفع كفاءة الإدارة العامة. لكن هذه الأهداف لا تتحقق بالشكل، بل بالمضمون. الرقمنة ليست إنجازاً بحد ذاتها، بل وسيلة لرفع جودة الخدمة.
المواطن ليس رقماً في جدول إلكتروني، والمعاملة العقارية ليست موعداً يمكن شطبه بلا أثر.
كل معاملة تحمل وراءها أسرة، أو استثماراً، أو شراكة، أو التزاماً مالياً. أي خلل في التوقيت قد يترتب عليه خسائر لا يمكن تعويضها بسهولة.
الإصلاح الحقيقي يقاس بمدى شعور المواطن أن الدولة تحمي حقه وتفهم واقعه. فإذا تحولت الأنظمة الإلكترونية إلى بيروقراطية رقمية جامدة، فإننا نكون قد استبدلنا الورق بالتكنولوجيا دون أن نحل المشكلة الأساسية.
الدولة القوية لا تخشى مراجعة أنظمتها، والحكومة الرشيدة تصحح قبل أن تتفاقم الأضرار.
المطلوب ليس إلغاء الرقمنة، بل إعادة ضبطها بما يحقق التوازن بين التنظيم والمرونة، وبين الانضباط الإداري وحماية الحقوق.
الرقمنة يجب أن تكون جسراً نحو العدالة وسرعة الإنجاز، لا حاجزاً جديداً بين المواطن وحقه.