سياسة ” ابعد عن الشر.. وغنيله..!”كتب : اشرف محمد حسن

 

 

عمان –
عقب تصريحات السفير الأمريكي لدى الاحتلال الصهيوني مؤخراً، مايك هاكابي، أثيرت موجة انتقادات واسعة بعد حديثه عمّا وصفه بـ”الحق التوراتي” لـ”إسرائيل” في أراضٍ تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات، خلال مقابلة أجراها معه الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون وخلال الحوار، استحضر كارلسون نصًا من سفر التكوين يتحدث عن وعد إلهي لإبراهيم ونسله بأرض بين النهرين، سائلًا عمّا إذا كان ذلك يمنح “إسرائيل” “حقًا إلهيًا” في مساحات واسعة تشمل فلسطين التاريخية وأجزاء من دول عربية مجاورة (الأردن، سوريا، لبنان، العراق، السعودية ومصر) فجاء ردّ هاكابي: “لا مانع لو أخذوا كل ذلك”، قبل أن يستدرك قائلًا إن “هذا ليس ما نتحدث عنه اليوم” وفي محاولة لتهدئة تلك الاحتجاجات صرح متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية محاولا تسويف حقيقة تصريحاته وما كانت تهدف اليه، بأن أقوال هاكابي فُسرت خارج سياقها، مشدداً على أن موقف واشنطن الرسمي لم يتغير الا ان حتى الموقف الرسمي الأمريكي مؤيد تماما للكيان الصهيوني ولم ينتقد او يعترض سابقا على مثل تلك الاستفزازات .
تصريحات هاكابي وضعت المنطقة أمام لحظة الحقيقة؛ اي إن ما تتعرض له فلسطين اليوم من قضم للسيادة وتهديد للوجود هو ذاته المخطط الذي ينتظر دول المنطقة إذا ما استمر الصمت والأمر في حقيقته يتجاوز مجرد “تصريحات مستفزة” لسفير متطرف”، بل هي “خريطة طريق” أمريكية جديدة تفرض على العواصم العربية استبدال لغة “المجاملة الدبلوماسية” او عدم اتخاذ مواقف مؤلمة بشكل مباشر للكيان الصهيوني والولايات المتحدة الامريكية ليس فقط ادانات بل الغاء اتفاقيات اقتصادية وتقليص عام للوجود الأمريكي في المنطقة حتى وان كان ذلك مكلفا بعض الشيء حاليا فان الانتظار سيكلف اكثر بكثير أي ان عدم اتخاذ “إجراءات قوية حقيقية” لتحمي ما تبقى من أمن قومي وسيادة إقليمية وتجنب سياسة “ابعد عن الشر.. وغنيله..!” وما الحشود الامريكية في المنطقة والتلويح بضربة أمريكية لإيران الا يهدف في جوهره إلى إزالة العائق الأخير أمام “الهيمنة الصهيوامريطانية” الكلية على المنطقة .
وفي خطوة اعتدنا واعتاد المجتمع الدولي على مثلها فقد أعربت وزارات خارجية 14 دولة عربية وإسلامية إلى جانب الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي عن “إدانتها الشديدة وقلقها البالغ” جراء تصريحات السفير هاكابي التي أبدى فيها قبول سيطرة الكيان الصهيوني على أراضٍ تعود لدول عربية، بما في ذلك الضفة الغربية المحتلة وقد ضم البيان كلاً من السعودية، قطر، الأردن، البحرين، الإمارات، مصر، إندونيسيا، باكستان، تركيا، سوريا، فلسطين، الكويت، لبنان، سلطنة عُمان، إضافة إلى المنظمات الثلاث وأكدت الدول والمنظمات أن تصريحات السفير الأمريكي تمثل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ووصفوها بأنها “خطيرة واستفزازية” وتشكل تهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة واستقرارها، هذه الادانات جاءت دون الغاء اتفاقيات السلام مع الكيان الصهيوني والعودة الى المربع الأول وما ترتب على هذه الاتفاقيات بما في ذلك الاتفاقات التي اسموها بالابراهيمية بالإضافة الى الغاء الاتفاقيات الاقتصادية مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة بما في ذلك التقليص العام للوجود العسكري والاقتصادي الأمريكي في المنطقة وهذه الكلف الإضافية جاءت نتيجة عدم الاستجابة للاحتجاجات والادانات السابقة للاستفزازات الصهيونية السابقة وازدراء تلك الادانات والاحتجاجات من قبل الولايات المتحدة كضامن وعدم الوفاء بالتزاماتها والتزامات المجتمع الدولي الا ان هذه الدول فضلت المقولة الشعبية “ابعد عن الشر.. وغنيله..!”.
في بدايات سبعينات القرن الماضي وخلال فترة طفولتنا كنا نتهامس فيما بيننا معلومةً مغلوطةً كانت منتشرةً في كثير من المجتمعات العربية عن حقيقة ان الاحلام الصهيونية تمتد من النيل الى الفرات الا اننا ركضنا باتجاه المصالحة مع الكيان المحتل وفي عام 1990، أشار الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في خطابه أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى نوايا الكيان الصهيوني وما يسمى ب”إسرائيل” في التوسع إلى ما هو أبعد من حدودها الحالية، حين قال للدبلوماسيين المجتمعين: “اسمحوا لي أن أعرض عليكم هذه الوثيقة. هذه الوثيقة عبارة عن “خريطة لإسرائيل الكبرى” منقوشة على هذه العملة “الإسرائيلية”، قطعة العشرة أغورات” وأوضح عرفات آنذاك بالتفصيل حدود “إسرائيل” الذي يسعى لها الكيان الصهيوني وهي الموضحة على العملة: “كل فلسطين، وكل لبنان، وكل الأردن، ونصف سوريا، وثلثي العراق، وثلث المملكة العربية السعودية حتى المدينة المنورة، ونصف سيناء وصولاً الى القاهرة وللأسف لم يؤخذ كلامه على محمل الجد من قبل القيادات العربية وحتى الغربية وقد تناول العديد من الإعلاميين العرب كلامه آنذاك بالكثير من السخرية وبسبب عدم اخذ تلك التحذيرات على محمل الجد ازداد طمع الكيان الصهيوني التوسعي في المنطقة ! .
ان حقيقة نوايا الصهيونية العالمية واحلامها وأهدافها هي الاستيلاء على كامل الكرة الأرضية واستعباد كافة البشرية من خلال التحكم بمصائرهم عن طريق التحكم بثروات واموال تلك الشعوب الا انها لا تعلن كل مرحلة الا بعد الانتهاء من المرحلة التي سبقتها خشية ردود الفعل الدولية او شعبية غبر المحسوبة، وعندما لا تجد رداً قوياً حقيقيا رادعاً يجعلها تدفع ثمن حقيقي او يجعلها تخسر بعض مصالحها والتي استطاع تحقيقا تتحدث عن مرحلة جديدة وفي بدايات الشهر الأول من العام الماضي 2025 م تم نشر خارطة وصفت بالمستقبلية لما اسموه ب”إسرائيل الكبرى” على حساب وزارة خارجية الكيان الصهيوني اللقيط على منصة اكس تلك الخارطة اثارت موجة ادانات واحتجاجات رسمية عربية آنذاك حيث دانت دول عربية عديدة ذلك وقد أعرب آنذاك الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، عن “إدانته الشديدة” لقيام “حسابات إسرائيلية رسمية بنشر خرائط تزعم أنها تاريخية، وتضم أراض عربية من الأردن وفلسطين ولبنان وسوريا” مؤكدا، أن “هذه الممارسات تعتمد على خرافات تاريخية تُقدم على أنها حقائق” وخلال شهر آب/2025 م وكون ان تلك الادانات لم يتبعها أي خسائر سواء كانت الغاء اتفاقيات اقتصادية او معاهدات سلام واتباع سياسة الحكمة الشعبية العربية “ابعد عن الشر.. وغنيله..!” فقد عبّر النتن ياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني “النازيين الجدد” خلال مقابلة تلفزيونية مع القناة “أي 24 نيوز” العبرية، صراحة عن نواياه بتوسيع دولة الاحتلال لتبتلع مزيدا من الأراضي العربية والإسلامية، بغطاء أمريكي لن يرفع عنه، دون الأخذ بعين الاعتبار للكلام الكاذب المعسول الذي يتداوله بعض مسؤولي إدارة ترامب في محاولات للاحتيال على المجتمع الدولي بشكل عام وعلى الامة العربية بشكل خاص وبالتأكيد قام آنذاك العالمين العربي والإسلامي بالعديد من الاحتجاجات والتنديدات ولكن أيضا دون اتخاذ أي موقف حقيقي يتضمن الغاء ولو بعض الاتفاقيات الدبلوماسية والاقتصادية الامر الذي رفع كلفة التأثير عند الاستفزاز الذي تبعه اذ ان تلك الخريطة لم تنشر الا بعد نشر خارطة أخرى سبقتها وكانت على يد وزير المالية الصهيوني بتسلئيل سموتريتش، في مارس/آذار/ 2023 م، اذ خرج في خطاب وأمامه منصته عليها خريطة للكيان الصهيوني تضم فلسطين والأردن فقط ، وقد تمت أيضا ادانت ذلك وبسبب الاكتفاء بهذه الادانات وعدم حتى التهديد بإلغاء اتفاقيات التطبيع من قبل الدول الدتي وقعت اتفاقيات سلام مع ذلك الكيان السرطاني تم نشر الخارطة الثانية اذ ان الكيان الصهيوني لم يتنكر لتلك الأفعال ولم تلزمه الولايات المتحدة الصهيونية حتى بالاعتذار ولو شكلاً للاحتيال على شعوب المنطقة والتي لم يعد يراعى شعورها او وجدها في الاصل عن نشر تلك الخرائط ولم يخسر شيء مما حققه من خلال اتفاقيات التطبيع السابقة فالمواجهة والصدام امر حتمي بين البشرية بما تمثله من معاني للحرية والكرامة والانسانية والصهيونية بما تمثله من اجرام وتسلط واستعباد للبشرية باتباعها سياسة مقولة “ابعد عن الشر.. وغنيله” وان تأجيل ذلك الصدام سيرفع كلفته ..!
وللتخلص من تلك التبعية التي وصلت لها العديد من دول المنطقة بل حتى الكثير من الدول الأوروبية والتي اصبحت مسلوبة الارادة وعاجزة تماما حتى عن حماية مصالحها وبات من الواضح تماما انه لابد من المواجهة لتصبح الادانات والاحتجاجات تسمع وان السياسات تحاشي المواجهات تجعل الصهاينة يتمادون اكثر فاكثر حتى انهم باتوا لا يخفون حقيقة نواياهم في اضعاف كافة دول المنطقة بل وحتى الدول الأوروبية حتى اصبحت ادارات الدول الاوروبية تعمل فقط لاجل التحايل على شعوبها وصلت في العديد منها الى حد الصدامات بهدف اعادة اتباع الرواية الصهيونية التي فضحت تسويقها كالسابق عهدهاعلى انها حقائق وإعادة استعطاف الشعوب التي اكتشفت حقيقة انها خدعت من قبل قياداتها المتعاقبة على مدار عقود تمهيدا لاعادة خديعتها وابتزازها مرة اخرى بسبب ايضا اتباع الحكمة العربية “ابعد عن الشر.. وغنيله”! .

سياسة ” ابعد عن الشر.. وغنيله..!”