بحكم الجوار كنت قد دعيت لوليمة اثرياء، كانوا تجار جملة على وجه التحديد. علاقتي بهم كانت علاقة عادية مقتصرة على مرحبا مرحبا يا جار.
بإستثناء (مدري أفندي) استقبلوا باقي المدعوين المائة استقبالا لا حارا ولا باردا.. يعني بين بين، لكنه استقبال لا يخلو من ملامح التعالي ومظاهر الفوقيه بحكم فحش الثراء.
اذكر تماما انه عندما دخل مدري افندي استقبلوة بانحناء استقبالا ناريا ملفتا، وقبله كل واحد منهم تسع وتسعون قبلة، وتذللوا إليه، وأكثروا ثم اكثروا من الترحيب وتسمروا أمامه وواصلوا عبارات التحية َ والاشاده والاطراء والدعاء له بعلو المراتب. وطول العمر . واجلسوه في الواجهة على مقعد وثير، وكان يرتدي حينها زيا مهيبا، برتقاليا يميل إلى الصفار، وكان يبدو صارما صامتا متجهما لم يلتفت إلى الحضور، والواقع ان الوليمة كانت دون أن ندري على شرف مدري وكنا في المعية.
ثم أننا تسألنا من يكن هذا يا ترى؟ فقيل انه مدير المؤسسة الكبرى التي تشتري بضاعتهم بسعر اللامعقول، وانه يمثل ركن هام من ثرائهم ، ولقد خصوه بمائدة مميزة والتفوا حوله وهو يمضغ الطعام ثم رافقه احدهم إلى المغسلة وناوله البشكير، ورش على يديه عطر ثمين، وصب له بعد ذلك القهوه، وقال له صحتين وعافية، وفي النهاية ودعوه بمثل ما استقبلوه، وعندما شكرهم قالوا( مهنا وإلك عندنا مثَنى) .
في العام التالي تكررت الوليمة وجاء( بدري أفندي) خليفة مدري افندي الذي أحيل إلى التقاعد، واستقبلوه استقبالا اسطوريا مثلما استقبلوا مدري العام الماضي، وعندما سألنا كبير التجار شو اخبار مدري؟ قال والله مدري.
مسكين مدري.. لم يكن له عندهم( مثنَى) كما وعدوه . لقد قذفوه وأصبح من وجهة نظرهم مجرد أداة وظيفية مستهلكة لا قيمة لها الآن … وسيلقى بدري ذات المصير.