زمن الهذيان,,سعيد ذياب سليم

لا شكّ أننا نعيش زمنًا من الهذيان؛ زمنًا يختلط فيه الكذب بالطغيان، وغرور القوة بهوس الهيمنة والتوسع، ويُعاد فيه إنتاج العدوان بأشكال لم تبلغها حتى أكثر خيالاتنا الأدبية قتامة.
غير أن أخطر ما في هذا الهذيان، ليس ما يُقال فحسب، بل ما يُصاغ بحيث لا يُفهم؛ كأن الحقيقة لا تُخفى، بل تُغرق في فائضٍ من الروايات، حتى يعجز العقل عن الإمساك بخيطٍ يقوده إلى اليقين.
زمنٌ لم يعد فيه التضليل قائمًا على إخفاء الوقائع، بل على إغراقها، ولا على كتمان الأصوات، بل على تضخيمها حتى تتلاشى دلالتها؛ فيغدو الإنسان محاطًا بكل شيء، وعاجزًا عن فهم أي شيء.
زمنٌ ظننا أن الأدب قد استنفد وصفه في حكايات الحروب والدمار، فإذا به يتجاوزه، لا لأن الواقع صار أشد قسوة فحسب، بل لأنه صار أكثر التباسًا، حتى لم يعد السؤال: ما الذي يحدث؟
بل: هل كُتب لنا أصلًا أن نفهم ما يحدث؟
وفي هذا المشهد، لقد تحوّل الألم من تجربة تُوقظ الضمير إلى مشهدٍ يُستهلك، وأصبح الصراع مادةً للمتابعة، لا دعوةً للتوقف والمساءلة. حتى كأن الإنسان انقسم من جديد: من يستحق الحياة… ومن يُدفع إلى هامشها بلا صوت، بعد أن ظننا أننا دَفَنَّا عصور العبودية وحررنا إنسانيتنا.
وفي هذا الاضطراب، لم تعد المفاهيم بريئة؛ فقد تلاعب بها الأقوياء، وأُعيد تشكيلها لتخدم مصالحهم. فالعدل لم يعد عدلًا، والسلام لم يعد سلامًا، والإنسانية لم تعد إلا شعارًا يُرفع حينًا ويُفرغ من مضمونه حينًا آخر. واستُبدلت القيم بلغةٍ مموّهة، تُخفي تحت أقنعتها عباراتٍ من قبيل “السلام بالقوة”، لتُشرعن بها الهيمنة، وتُطمس بها حقوق المستضعفين، حتى غدت الأرض نهبًا لمن يملك القدرة على فرض روايته، لا لمن يملك الحق.
واقعٌ تتحوّل فيه “نشرات الأخبار” إلى غطاءٍ لغويّ، وسباقٍ إعلاميّ يحوّل الضحايا إلى أرقامٍ صمّاء.
كنتُ أظنّ أن بشاعة الحرب لا تجرؤ أن تخرج من دفّتي كتابٍ أدبي؛ روايةٍ أو مذكّرات أحدهم يداوي جراحه وندوب ذكرياته، باكيًا ما سرقته منه الحرب وما تبقّى له من إنسانية. لكنني ذُهلتُ إذ رأيتُ قادة دولٍ عظمى يبيعون ويشترون بلا مواربة، يساومون بعقلية التاجر لا بروح المسؤول، يسعون بجد لمضاعفة ثرواتهم الشخصية، يتّجرون بالدين ويدّعون النبوّة، حتى كأن “تاجر البندقية” قد نهض من تابوته، وعاد يجمع حصته من لحوم البشر. ولعلّ ما يزيد هذه المفارقة قسوةً أننا قرأنا، أو ظننا أننا قرأنا، ما يكفي من الأدب الذي يفضح هذا المسار ويحذّر منه. أتذكّر، في هذا السياق، رواية لصّة الكتب لماركوس زوساك؛ هناك، يختار الكاتب “الموت” ليكون السارد، وكأن الموت وحده هو الذي يملك رفاهية مراقبة عبثنا البشري. في تلك الحكاية، تسرق الطفلة ليزل الكتب من بين رماد حفلات الحرق النازية، محوّلةً الكلمات التي استُخدمت لبناء إمبراطورية القمع إلى أدواتٍ للنجاة والتعاطف، ليصبح الكتاب وسيلة مقاومة، وتغدو القراءة طوق نجاة من واقعٍ قاسٍ، لا ترفًا يؤجل.
واليوم، أشعر بذات المفارقة وأنا أكتب من مكاني هذا على الخريطة؛
تمرّ الطائرات والمسيّرات فوق رأسي في سماء الأردن،
وأسرق هذه اللحظات لأكتب،
كأن الكتابة آخر ما يربطني بإنسانيتي
قبل أن يبتلعنا النسيان الجماعي.
لم تكن “لصّة الكتب” تسرق ورقًا،
بل ترمّم ذاكرةً آيلة للسقوط،
كما نحاول نحن الآن:
أن ننجو،
دون أن نصير متفرّجين بدمٍ بارد
على ألمٍ يمرّ فوق رؤوسنا.
كم بدا ذلك العالم، على قسوته، محتفظًا ببقايا إنسانية تقاوم الانهيار…
وكم يبدو عالمنا اليوم، رغم كل ما قرأه وتعلّمه، ماضيًا في الاتجاه ذاته؛ كأن الذاكرة نفسها قد أصابها الوهن، أو كأن الألم، حين يبتعد زمنًا كافيًا، يفقد قدرته على ردع من ذاقه يومًا.
ومن هنا، من مكانٍ يبدو آمنًا على الخريطة، لكنه يرتجف في الداخل، أكتب.
أنا الذي أعيش في الأردن، لا في قلب المعركة كما تُعرّفها نشرات الأخبار، لكنني لست خارجها كما يُخيَّل للبعيدين. تمرّ فوق رأسي طائراتٌ لا أعرف وجهتها، وأسمع هديرها كأنه سؤالٌ معلّق في السماء، وتلمع في الأفق أضواء لا تشبه النجوم؛ صواريخ ومسيرات، بعضها يواصل طريقه، وبعضها يسقط أقرب مما ينبغي. كأن المسافة بين “هناك” و“هنا” وهمٌ لغويّ أكثر منه واقعًا، وكأن البوصلة قد أضاعت وجهتها، فلم نعد نتبيّن من حولنا أصدقاءنا من أعدائنا.
لم يعد ما يحدث خبرًا، ولا تحليلًا، ولا خريطة. إنه شعورٌ دائم بأن الحياة نفسها صارت قابلةً للانقطاع في أي لحظة، وأن الأمان لم يعد حالة، بل احتمالٌ هش.
وفي داخلي يتصارع صوتان: صوتٌ يريد أن يعتاد لينجو، وصوتٌ يرفض، يرى في الاعتياد خيانةً بطيئة للإنسان.
أشعر بمسؤولية لا أعرف كيف أفي بها كاملة؛ مسؤولية تجاه وطني هذا، وتجاه إنسانٍ آخر على الطرف الآخر من النار، لا أعرف اسمه، لكنني أعرف أنه يخاف كما أخاف، ويرجو النجاة كما أرجوها.
كيف نحافظ على حقّنا في الحياة، دون أن نتنازل عن حقّ غيرنا فيها؟ وكيف لا نصير، نحن أيضًا، جزءًا من هذا النسيان الجماعي الذي يحوّل الضحية، مع الوقت، إلى صورةٍ أخرى من الجلاد؟
ربما كان التحدّي الأكبر، في كل هذا، ليس فقط أن ننجو…
بل أن ننجو دون أن نفقد قدرتنا على الشعور، دون أن نتحوّل إلى متفرّجين على ألمٍ يمرّ فوق رؤوسنا، ودون أن نعتاد ُ ـــ أو نقبل، بـصمتٍ بارد ـــ أن بعض البشر خُلقوا ليكونوا أقلّ استحقاقًا للحياة.
هنا، بين الخوف والذاكرة، نحاول… أن نبقى بشرًا.
في زمنٍ صار فيه ذلك، بحدّ ذاته، معركة .
سعيد ذياب سليم