للحرب دعابةٌ سمجة، تُجهِز على المرح والحيوية، وتلقي بالقلب في دوامةٍ من اليأس والعبث. ومع ذلك، فإن أقسى ما فيها ليس ما تفعله بالأرض، بل ما تفعله بإحساسنا؛ إذ ترى الحريق وتعي ما ترى، لكنك لا تشعر بحرارة من يحترق فيه. ترى الجرح ينزف، غير أنّ اللغة السينمائية للمشهد تستفز فيك نزعة النقد، كأنك تشاهد فيلمًا عابرًا، فتُدلِي برأيك بنبرةٍ مترفةٍ باللامبالاة.
وهكذا، شيئًا فشيئًا، تتحول المأساة إلى عرض، ويغدو الألم مادةً للتأمل البارد. تتحدث وكأنك أمام ملحمةٍ يونانية، تستعيد عبارتها القديمة: كيف يكون “الجمال مرعبًا” لأنه يكشف لنا ما يتجاوز قدرتنا على الفهم أو السيطرة. لكن هذا الجمال المروّع لا يعود تجربةً تهزّك من الداخل، بل فكرةً تُقال، وصورةً تُستهلك، ثم تُنسى.
من فجوة كهفه، حدّق الإنسان الأول في ليلٍ كثيف، فرأى صاعقةً تضرب شجرته المقدّسة فتشتعل نارًا. ارتجف رعبًا، ثم اقترب منها مترددًا، يتحسس دفأها ويألف ضوئها. أحرقت يديه، فعرف الألم… ولم يلبث أن حملها بيده نفسها، ليحرق بها غيره … كما احترق.
كأن الإنسان لا يشعر بالكوارث إلا حين يدنو منه الأذى، وتمسّ شيئًا من أمنه واستقراره الخاص. وفي خضم هذا الاعتياد، تبرز المفارقة بكل قسوتها. ففي الحرب الأخيرة، وفي مساءٍ عادي، سقطت إحدى الطائرات المقاتلة في عرض البحر؛ فاستنفرت لأجلها الدول، وتحولت السماء إلى شاشةٍ مفتوحة، تتقاطع فيها إشارات الرادار وأصوات المراسلين. صار اسم الطيّار يتردد في نشرات الأخبار كأنه نشيدٌ جماعي، وتعلّقت القلوب بصورته: هل نجا؟ هل يطفو الآن على حافة الأمل؟ كانت الكاميرات تلاحق الموج، والخرائط تُرسم وتُعاد، والعالم كلّه ينحني قليلًا أمام احتمال أن يُنقَذ رجلٌ واحد.
وفي اللحظة نفسها، كانت أرقامٌ أخرى تمرّ مرور الظلال: ألفُ قتيل، سبعمئةُ مدرسةٍ مهدّمة، وثلاثمئةُ مستشفى خرجت من الحياة، بل أكثر من ذلك؛ مدنٌ تهدمت و نزح سكانها، ولم تبحث لها الشاشات عن أسماء أو وجوه.
ولم تُحدّث عن أطفالٍ بلا أسماء تحت الركام، ولا عن أمهاتٍ انقطع صوتهن قبل أن تكتمل الحياة، ولم ترتفع آهة.
بدت كأنها خبرٌ مكتملٌ لا يحتاج إلى انتظار، كأن الألم حين يتكاثر يفقد ملامحه ويتحوّل إلى رقمٍ لا يُرى. وحده الواحد يُنقَذ من التجريد؛ وحده يُستعاد إنسانًا، فيما يذوب الكثيرون في صمت الإحصاء… أفأنهم ليسوا أهلًا للحياة؟
ولم تكن هذه المفارقة طارئة على وعينا، بل هي قديمةٌ بقدم الحروب نفسها. فبعد الحرب العالمية الأولى، ظنّ العالم أنه تعلّم الدرس: أُنشئت عصبة الأمم، وارتفعت الشعارات التي تعد بـ”السلام الدائم”، وكأن البشرية قد أفاقت أخيرًا من نشوة الدم. لكن تلك اليقظة كانت، هي الأخرى، نظرية؛ إذ لم تمضِ سوى سنوات حتى انزلقت الإنسانية إلى أتون الحرب العالمية الثانية، في مشهدٍ أكثر فتكًا واتساعًا. وعندها فقط، حين لامس الخراب بيوتًا أكثر، وأعاد تشكيل خرائط، في مفارقةٍ لا تخلو من ألم، بدا أن الإدراك صار أثقل قليلًا؛ فظهرت الأمم المتحدة، وتكرّست مواثيق تُحاول أن تضع حدًا لاندفاع الإنسان نحو هاويته. ومع ذلك، لم يُحفظ السلام إلا بقدر ما توازن الخوف، لا بقدر ما ترسّخت الحكمة. واليوم، في زمنٍ تُدار فيه المصالح بميزان التجارة والقوة، يبدو أن العالم لا يزال يغامر على أطراف الخرائط، ولا سيما في الشرق الأوسط؛ لا لأن الدروس لم تُكتب، بل لأن الإنسان لا يقرؤها حقًا إلا حين تمسّه… وكأن هذا الكائن الذي سمّى نفسه عاقلًا لم يتعلّم بعد كيف يكون كذلك.
ومع ذلك، يبقى في هذا المشهد ما يربك اليقين، كأن الفوضى ــ على شدتها ــ لا تمضي بلا أثر.
أم أننا محكومون بقوانين خفية تدفعنا ــ رغم كل هذا التيه ــ نحو شيءٍ من الاستقرار والعدل؟
سعيد ذياب سليم