ليست المشكلة في نقص الكفاءات، ولا في غياب النوايا الحسنة، بل في نوعية العقلية التي تُدير. نحن لا نعيش زمن استقرار طويل يُدار بعقلية «الصيانة»، بل نقف على حافة تحولات متسارعة تُدار فقط بعقلية «الاستباق». الفارق بينهما ليس لغويا، بل وجوديا.
ما نملكه اليوم- في أغلبهم- وما سبقهم لنكون منصفين، أشخاص بارعون في إدارة الوفرة الجاهزة، خبراء في توزيع الموارد حين تكون متاحة بسهولة، ومهرة في تحسين الصورة حين تكون الأمور تحت السيطرة الكاملة. هؤلاء هم «موظفو الرخاء»؛ يبرعون حين تكون اللعبة سهلة، والهوامش واسعة، والضغط محدود. لكن المشكلة تبدأ عندما تضيق الخيارات، وتصبح القرارات مكلفة، ويغدو الخطأ غير قابل للإصلاح.
إدارة المستقبل لا تحتاج موظفين كبارا، بل «عقول مخاطر». أشخاصا يرون ما لا يُرى، ويحسبون ما لا يُحسب، ويستعدون لما لم يحدث بعد. التخطيط لم يعد رفاهية بيروقراطية، بل أداة بقاء. فالعالم لا ينتظر أحدا، والأزمات لم تعد طارئة؛ بل أصبحت القاعدة الجديدة.
من نحتاجه اليوم ليس من يجيد الخطابة، بل من يُجيد قراءة الإشارات الضعيفة قبل أن تتحول إلى أزمات صاخبة. ليس من يفتخر بما أُنجز، بل من يقلق مما قد ينهار. ليس من يُدير الملفات، بل من يعيد تعريفها.
الخطير في «موظفي الرخاء» أنهم يخلقون وهم الاستقرار. كل شيء يبدو جيدا… حتى لا يعود كذلك فجأة. وعندها، نكتشف أن ما بُني لم يكن مصمما للصمود، بل للعرض فقط. المؤسسات التي لا تُدار بعقلية المخاطر، تتحول إلى هياكل هشة مهما بدا شكلها متماسكا.
المطلوب اليوم هو انتقال جذري: من إدارة الحاضر إلى هندسة المستقبل. من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي. من التجميل إلى التحصين.
نحتاج من يفكرون بأسوأ السيناريوهات لا لتخويف الناس، بل لحمايتهم. موظفو دولة كبار يعتبرون أن النجاح ليس في تجنب الأزمات فقط، بل في القدرة على امتصاصها دون انهيار.
في النهاية، الدول لا تضعف بسبب أزمة واحدة، بل بسبب عقلية لم تكن مستعدة لها. والسؤال الحقيقي ليس: هل لدينا كفاءات؟ بل: هل لدينا الجرأة لتغيير نوع الكفاءة التي نختارها؟
لأن زمن الرخاء انتهى.. وشواهد السنوات العجاف مستمرة، ومن لا يغيّر أدواته، سيتحول إلى جزء من المشكلة. نحتاج مثلا عقلا مفكرا عاملا يحدد على الأقل قيم وموجودات ما يستحق أن نحافظ أو ننتج أو نستهلك سواء لمنتج نصنعه أو نستورده أو للتعامل مع مصدر طبيعي، عقل لا ينتظر الانفراج من مؤثر أو عامل خارجي لا يد لنا في تعديله أو إيقافه، عقل يتساءل عن بقاء غاز الريشة بذات الإنتاج منذ سنوات طويلة وعن الصخر الزيتي بذات التعطيل منذ اكتشافه، وعن تراجع الزراعة النوعية بكل أصنافها، والإصرار عند أول انفراجة باستمرار تصدير المنتج الغذائي والحيواني، عقل يوقف استمرار غياب الرقابة على الأسواق حتى لو كانت لمنتج «بابور الكاز» المستورد، عقل ينهي تمسكنا بعقلية تحويل كل استثمار ناجح لعقد أجنبي، عقل يرى في الصناعة الخفيفة والمتوسطة استقرارا للإنتاج الأساسي، وغيرها أمثلة كثيرة تؤشر على ضرورة النظر في اختيار كبار موظفي المستقبل.
الغد