برعاية مؤسسة BRC International وفي مشهد علمي وإنساني يعكس التزامًا دوليًا متزايدًا بقضايا الإعاقة، احتضنت الجمهورية التونسية فعاليات الملتقى العلمي الدولي المدمج تحت عنوان: “الاعتراف المؤجل: متلازمة داون والخزي المؤسس في الوعي العربي”، وذلك باشراف مؤسسة BRC العلمية الدولية والمعهد العالي للتربية المختصة – جامعة منوبة، وبمشاركة وزارة الشؤون الاجتماعية التونسية، وبالتعاون مع مركز بيلر للبحث العلمي (تركيا/بريطانيا) وشركة بيجي للتعليم والتدريب (الأردن).
وشهد الملتقى حضور نخبة من الأكاديميين والخبراء من مختلف الدول العربية، حيث عُقد حضوريًا في المعهد العالي للتربية المختصة، بالتزامن مع مشاركة رقمية عبر منصة مؤسسة BRC، في نموذج يعكس تكامل الحضور الميداني مع الانفتاح التكنولوجي.
كما شهد الملتقى حضورًا نوعيًا واسعًا وتفاعلًا متميزًا، انعكس في نقاشات معمقة أثرت محاور الملتقى وعززت تبادل الخبرات بين الخبراء والباحثين المشاركين.
ويهدف الملتقى إلى تسليط الضوء على متلازمة داون بوصفها قضية إنسانية ومجتمعية متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الجوانب الاجتماعية والقانونية والنفسية والتربوية، مع التأكيد على أهمية تصحيح المفاهيم وتعزيز الوعي المجتمعي العربي تجاه هذه الفئة.
وافتُتحت أعمال الملتقى بكلمات رسمية، حيث أكد الأستاذ الدكتور ميثاق بيات الضيفي، رئيس مؤسسة BRC العلمية الدولية ورئيس اللجنة العلمية، أن متلازمة داون تمثل قضية حقوقية متكاملة، تتطلب تضافر الجهود لضمان حقوق الأفراد في التعليم والعمل والاندماج المجتمعي، مشيرًا إلى أن مفهوم “الاعتراف المؤجل” يعكس فجوة حقيقية في الوعي العربي تستوجب المعالجة العلمية والتطبيقية.
من جانبها، أوضحت الأستاذة الدكتورة نائلة بالي، المديرة العامة للمعهد العالي للتربية المختصة في تونس، أن استضافة هذا الحدث العلمي تمثل خطوة نوعية نحو تعزيز البحث العلمي وتبادل الخبرات، بما يسهم في تطوير البرامج التربوية والتأهيلية الداعمة لذوي متلازمة داون.
وتضمن الملتقى جلستين علميتين متميزتين؛ حيث تناولت الجلسة الأولى، برئاسة الأستاذة الدكتورة كاترين ديزي، أستاذة بالمعهد العالي للتربية المختصة – جامعة منوبة (تونس)، أوراقًا بحثية من تونس ومصر والجزائر وليبيا، ركزت على الجوانب الطبية والتربوية والتأهيلية، فيما ناقشت الجلسة الثانية، برئاسة الدكتورة سهام عبد العظيم من سلطنة عُمان عبر الاتصال المرئي، قضايا الإرشاد النفسي والتربوي، بمشاركة باحثين من السودان والجزائر والمغرب.
وفي ختام الملتقى، شدد الأستاذ الدكتور ميثاق بيات الضيفي على ضرورة تحويل مخرجات الملتقى إلى برامج عملية قابلة للتنفيذ، تسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز دمج ذوي متلازمة داون في مختلف مجالات الحياة.
كما استعرضت الأستاذة الدكتورة نيرمين البورنو، مديرة مركز بيلر للبحث العلمي، تجربتها في البرتغال، مسلطة الضوء على النماذج المتقدمة في تمكين ذوي متلازمة داون، ومؤكدة على حقهم في التعليم والعمل والمساواة.
وفي كلمة ختامية، عبّر الدكتور كيلاني بن حمودة، الناطق الرسمي باسم الاتحاد التونسي للمكفوفين – تونس، عن تقديره لجهود مؤسسة BRC العلمية الدولية في تنظيم وإنجاح هذا الملتقى النوعي، مثمنًا دورها في تعزيز العمل العلمي والإنساني المشترك.
كما أكد على أهمية نشر الوعي المجتمعي بحقوق الأشخاص من ذوي متلازمة داون، مشيرًا إلى أن تمكينهم يبدأ من تغيير الصورة النمطية وتعزيز ثقافة القبول والاندماج في المجتمع.
وخلص الملتقى إلى مجموعة من التوصيات المهمة، أبرزها:
تعزيز التشريعات القانونية، دعم الدمج التعليمي، تكثيف حملات التوعية المجتمعية، تطوير خدمات الإرشاد النفسي والتأهيل المهني، والاستفادة من التجارب الدولية الرائدة. ويؤكد هذا الملتقى أن تمكين ذوي متلازمة داون لم يعد خيارًا إنسانيًا فحسب، بل ضرورة مجتمعية تفرضها قيم العدالة والمساواة، حيث يشكّل الاستثمار في قدراتهم خطوة استراتيجية نحو بناء مجتمعات أكثر شمولًا واستدامة. وبين الرؤى العلمية والتجارب الدولية، يبعث هذا الحدث رسالة واضحة مفادها أن مستقبل هذه الفئة يبدأ بالاعتراف الحقيقي بحقوقها، وينمو عبر سياسات دامجة وإرادة مجتمعية واعية تؤمن بأن الاختلاف ليس عائقًا، بل مصدر قوة وإثراء.