كتبت شيرين قسوس حين تتحول الدماء إلى حبرٍ

 

المقاومة في لبنان ليست مجرد استراتيجية عسكرية، بل هي انفجار الكينونة في وجه العدم، والتمرد الأنطولوجي للإنسان الذي يرفض أن يكون هامشاً في كتاب القوى الكبرى. هي ذاك “النور الأسود” الذي يبزغ من رحم المعاناة ليحرق أوهام الطغاة، وعقيدةٌ ضاربة في القِدم، تعود جذورها إلى ألفي عام من الصمود والتعالي على الجراح. إنها الفعل الذي يسبق القول، واليقين الذي يتحدى الشك، حيث تتحول الدماء إلى حبرٍ يكتب حكاية أرضٍ لم تتقن يوماً لغة الانحناء، ولم تعترف يوماً بسلطان الغزاة مهما بلغت سطوتهم.
​حين اندفع جيش الاحتلال في عام 1982، لم يكن يواجه حدوداً جغرافية بل كان يحاول استئصال “جين الرفض” من روح بلدٍ ظنه البعض هشاً كزجاج المرايا، لكن لبنان بتناقضاته الصارخة وانقساماته العميقة أنجب من شقوق الصخور مقاومةً لا تشبه إلا ذاتها، مقاومةً لم تطلب إذناً من موازين القوى الدولية، بل خلقت قانونها الخاص الذي يفرضه الإيمان. لقد تجلى “حزب الله” من قلب هذا الوجع كضرورة تاريخية فرضت معادلةً قلبت السحر على الساحر: أن الاحتلال ليس قدراً بيولوجياً، وأن الهزيمة ليست حتميةً لمن يمتلك إرادة البقاء. لبنان هنا لا يقاوم لأنه يمتلك فائضاً من القوة، بل في مفارقة فلسفية مذهلة، هو يقاوم لأنه يرفض “ماهية” الضعف؛ فالصمود ليس ترفاً عسكرياً بل هو استجابة لنداء داخلي يرفض الانكسار الوجودي.
​هذه المقاومة تحولت في الوعي اللبناني من “خيار سياسي” إلى “عقيدة كينونة”؛ قناعة تتجاوز الحسابات الرقمية الضيقة وتستقر في الجوهر كجزء لا يتجزأ من تعريف الإنسان لنفسه. إنها ليست وليدة صدفة معاصرة، بل هي امتداد لرفضٍ عمره ألفي عام، بدأ منذ أن واجهت هذه الأرض الفيالق الرومانية ولم تنحنِ، لتثبت أن الغزاة يتبدلون والرفض باقٍ كأرزها. اللبناني، الذي يرقص على حافة الهاوية الاقتصادية والسياسية، صهر الألم بالسخرية والتحدي، فهو لا يقدّس المعاناة لذاتها، بل يتخذ منها درعاً ليفاجئ خصمه بقدرة إعجازية على الانبعاث من الرماد.
​وإذا كانت غزة تمثل ذروة الصمود بوصفه “ضرورة بيولوجية” للبقاء في ظل حصارٍ يطبق على الأنفاس، فإن المقاومة في لبنان تظل “فعل هوية” وتجلياً لثقافة الرفض المتراكمة. فبينما تقاوم غزة وهي مختنقة حتى بالصمت العالمي، يقاوم اللبناني وهو يتجادل مع ظله، ينقسم على التفاصيل لكنه يتوحد عند ملامسة الخطر، لأن تلك العقيدة الألفية تنهض من سباتها فوراً لتعلن سيادتها فوق كل الانقسامات. إن جوهر الأمر يكمن في تلك الـ “لا” المقدسة التي تُلقى في وجه من ظن أن الاستسلام قدر؛ لبنان هو ذاك الكيان الذي يتقن التمزيق لكنه لا ينهار، بلدٌ يحمل في أحشائه عناداً متوارثاً جعل من المقاومة إيماناً لا يتزعزع، وتاريخاً نابضاً، وحقيقةً وجودية تقول للعالم: نحن هنا، كنا هنا، وسنبقى هنا ما بقي الزمان.