بين فصلين:
لم يمر زمنٌ طويل منذ أن أمطرت السماء، ولفحت الوجوه نسمات باردة.
كنّا نرتدي ملابس ثقيلة، ذات طبقات عدة، وكوفية زاهية مهدَّبة بالفخر والكرامة، نقي بها رؤوسنا من البرد.
وما زالت الذكريات وبقايا الحكايات تتجمع في نواحي البيت؛ فالمدافئ في أماكنها، والأغطية الصوفية ملقاة على الأَسِرّة، والملابس الشتوية مكوّمة هنا وهناك.
وكأن الشتاء انسحب فجأة، ولم نكن على استعداد لاستقبال البراعم وقد أخرجت خباياها، والزهور تبسّمت شفاهها، واشتعلت الأرض بالخضرة والنوار.
وتسابق الأطفال يتسلّقون شجر اللوز، يلتقطون فرحة الربيع، ويملؤون فضاءهم بوعودٍ جميلة.
ومنذ أيامٍ قليلة فقط، كنّا نبحث عن الدفء، قبل أن ينقلب مزاج الشمس الهادئ إلى موجةٍ من غضبٍ مشتعل، تلهب الجو بحَرِّها، وتغمر الأجساد عرقًا، فنلوذ بظلٍ يضمّنا بلطف نسماته.
في جوٍّ اختلطت فيه الأحاسيس، وغامر الشك النفوس: أهو شتاء أم ربيع أم صيف؟
وفي هذا التقلّب الجميل، جاء يوم العلم الأردني، ليضيف إلى المشهد ربيعًا آخر لا تصنعه الفصول وحدها، بل تصنعه القلوب حين تلتف حول راية الوطن.
صعدْتُ إلى سطح البيت مقتفيًا أثر النسمات الشجية، أصيخ السمع لنغمات رقيقة في جو السماء، تشبه حفيف أوراق الشجر، وخرير الجداول، ودقات القلوب.
سمعت الأطفال على الشرفات يهتفون ويشيرون بأصابعهم: الأبطال… الأبطال.
كان طائرٌ كالرُّخ يطير في السماء، بل طائران، يحمل كلٌّ منهما علمَ بلادي عاليًا في سماء المجد، رافعَي هامة البطولة والسؤدد.
ربيعٌ وفخرٌ يعانقان السفوح والسهول والبراري بين موسمين.
المشهد الطبيعي: تحوّل جذري
اكتست الحقول ببساطٍ مخمليّ أخضر، مرصّع بالشقائق، والأقحوان، ولسان الثور، وألف نوع من الزهور البرية.
تراقصت سيقان الزهور مع الريح، وتنقلت النحلات بين زهرة وأخرى، في سباقٍ إلى خلاياها تحمل الرحيق وتصنع العسل، وزقزق الدوري، وغنّت البلابل.
وامتدّ مهرجان الربيع من الجبال إلى البراري والسهول، وارتفعت درجات الحرارة فجأة، كأن الشمس نفخت عواصفها نحونا دفعة واحدة، فنضجت الثمار، وامتلأت الأسواق، وأسرع الفلاحون لعرض بضاعتهم، واكتست واجهات العرض بألوان الفرح الحمراء والخضراء.
وعشنا تقلّبات الطقس؛ يومٌ بارد ممطر، وآخر مشمس حار خلال أسبوعٍ واحد، وكأن المواسم تتصارع، أو أن الشتاء يعزّ عليه فراقنا.
الربيع في تفاصيل الناس:
خرج الناس إلى الحدائق والحقول تلبيةً لنداء الطبيعة واحتفالًا بموسم الفرح، في خليطٍ من الأزياء؛ فالبعض لا يأمن تقلّبات الطقس، متدثّرًا بمعطفٍ شتوي وكوفية خفيفة، وآخرون سارعوا إلى ارتداء ملابس الصيف، وأحذية خفيفة، وألوان ناصعة، مقبلين على معانقة الحياة وصفائها.
ازدحمت المقاهي والأسواق المفتوحة، وامتلأت الأرصفة والطرقات بالمشاة في نزهاتٍ جاءت بعد معاناة وضيق الشتاء.
وانتشرت حفلات الزواج والمناسبات الاجتماعية، يصاحبها السهر لساعاتٍ متأخرة من الليل، وهجر الناس عاداتهم الشتوية من مشربٍ ومأكل، واتجهوا إلى السلطات والخضار الورقية الربيعية مثل الخبيزة، والبقلة، والسبانخ.
مواسم الأرض والعمل:
يبادر الهواة والمهتمون إلى جمع أوراق الزعتر البري، والبابونج، والنعناع البري، والنباتات العطرية والطبية.
ويخرجون أيضًا لجمع ثمار الخروب لصنع العسل الأسود “الدبس”، في رحلاتٍ عائلية أو شبابية، مغتنمين وفرة الربيع في حركاتٍ سريعة قبل أن يجمع الربيع عباءته ويرحل.
فهي أيامٌ قليلة، ثم يشتعل الجو حرارة، فتنقلب الخضرة صفرة، وتنتشر الحرائق في السهول والغابات بفعل جفاف العشب، وحركة الريح، وإهمال بعض من يلقون أعقاب سجائرهم دون مبالاة.
الثريا وبركة نيسان:
يُعدّ شهر نيسان ذروة الربيع في الأردن وبلاد الشام، وفيه تميل مجموعة الثريا نحو الغروب فيما يُعرف شعبيًا بـ “غيبة الثريا”، وهي علامة ارتبطت في الذاكرة الشعبية بانقضاء برد الشتاء، واستقرار الجو، ودخول الأرض مرحلة الخصب والنماء. وكان الناس يترقبون هذه الفترة بوصفها بشارةً باكتمال الربيع واعتدال المناخ، حيث تبدأ الحقول باكتساء حلّتها الخضراء، وتتهيأ المواسم للثمار القادمة.
وفي الذاكرة الشعبية الأردنية، يرتبط نيسان بما يُعرف بـ “بركة نيسان”، حيث يُنظر إلى مطره بوصفه مطرًا مباركًا يحمل الخصب والشفاء، ويُعتقد أن مياهه تبعث الروح في المزروعات، وتمنح الأرض خصبها الكامل بعد الشتاء، حتى شاع المثل الشعبي: “شتوة نيسان تحيي الإنسان”.
الربيع لا يأتي بالزهور وحدها:
غير أن الربيع، رغم كل هذا الجمال، لا يأتي محمّلًا بالزهور وحدها، بل يحمل معه أيضًا بعض ما يستوجب الحذر والانتباه. فكما تتفتح الحقول وتنتشر الروائح العطرة، تمتلئ الأجواء بحبوب اللقاح والغبار الموسمي، وتبدأ الطبيعة في إظهار وجهها الآخر، الذي يذكّرنا بأن لكل فصلٍ جماله وتحدياته معًا.
تنتشر في الجو حبوب اللقاح، خاصة في المناطق الشجرية والزراعية، وتنتشر بسببها نوبات الربو والحساسية، ويعاني البعض من هذه الهجمات، لذلك يجب أخذ الاحتياطات المناسبة، وحمل الأدوية للوقاية وعلاج تلك الأزمات.
كما يتعرض الجو لرياح موسمية تحمل الغبار من الصحاري المحيطة، وتُعرف بالخماسين، هذا بالإضافة إلى الرياح الرطبة الحاملة للأمطار.
فالحذر يواكب الاحتفال بهذا الموسم، ولا ضير من الاحتفاظ بمعطف شتوي قريب.
يلوح الصيف في الأفق، لذا لا بد من اغتنام هذه الأسابيع الذهبية للخروج والتنزه، قبل أن تتحول الشمس إلى لظى.
فلكل فصل حلاوته وجماله؛ فالصيف يدفعنا إلى غمر أجسادنا في المسابح والشطآن، كما أن للحرّ فسحته، وللشمس موعدها، وللحياة دائمًا فصلٌ جديد.
وبين صقيع الشتاء ولهيب الصيف، يبقى الربيع وعدًا قصيرًا، لكنه كافٍ ليذكّرنا أن الأرض ـــ مثل القلب ـــ تعرف دائمًا كيف تزهر من جديد.
سعيد ذياب سليم