الوطنية ليست مهرجانًا ..
تتجلّى صورة الوطن في النظام
.. لا بالمظاهر
الوطن لا يُختصر في علمٍ يُرفع، بل في نظامٍ يُحترم، في المدن لا تُقاس قيمة الاحتفال بيوم العلم ، بارتفاع أصوات أبواق المركبات، وكيف نعتلي ظهورها، بل بمدى اتساع المعنى، ولا يُختبر حبّ الوطن في لحظة انفعالٍ عابرة، بل في قدرة الناس على تحويل هذا الحب إلى سلوكٍ يُشبه الوطن .. لا يُثقله.
الفرح حين يفقد معناه
ما جرى في شوارع عمّان مساء امس الاوّل، لم يعد حدثًا طارئًا، بل أصبح نمطًا يتكرر مع كل مناسبة، لا يلبث أن يتآكل فيه معنى الفرح، مناسبةٌ يُفترض أن تكون جامعة، لا أن تخلق اصطفافات نحن في غنى عنها، بسبب ما تركته من إرباكٍ عام؛ أُغلقت فيها الطرق، وحُوصرت بسببها الأحياء، ودُفع بالناس قسرًا إلى مسارات لا يريدونها، بعكس ما يفترض تقصير زمن الرحلة لغير المحتفلين لا إطالتها، لسبب واحد فقط لأن الفرح تُرِك ليسير بلا إطارٍ ناظم.
الزمن ليس هو المشكلة
طريقٌ كانت تستغرق ربع ساعة في الظروف الاعتيادية، امتدت إلى ساعةٍ وخمسٍ وأربعين دقيقة .. لا لأن المدينة كبرت فجأة، ولا بسبب حدثٍ استثنائي، بل نتيجة ضغطٍ مروري ، وهنا لا تعود المسألة سلوكًا فرديًا فقط، بل خللًا في العلاقة بين الفرح والتنظيم؛ بين الحق في التعبير، وضرورة صون الحق العام.
الفرح حق .. لا فوضى
الفرح ليس موضع إدانة، بل هو—حين يكون صادقًا—أحد أنبل أشكال التعبير والانتماء، لكنه يفقد معناه حين يتحوّل من حقٍ فردي إلى عبءٍ جماعي، ومن لحظة انتماء إلى حالة تعطيل، حين يغيب الإطار، تختلّ المعادلة: تُرفع الأعلام وتعلو الأبواق .. لكن على حساب حقّ الناس في التنقّل للضرورة والوصول، فيتحوّل المشهد من احتفالٍ إلى اندفاعٍ بلا توجيه، وتفقد المدينة توازنها كمساحةٍ مشتركة، ليست المشكلة في حبّ الناس لوطنهم، بل في طريقة التعبير عنه؛ فالوطن في لحظات الفرح يحتاج إلى وعيٍ أكثر .. لا إلى اندفاع، وإلى تنظيمٍ أذكى .. لا إلى إغلاق.
المسألة: إدارة لا منع
الموضوع ليس نقد الفرح .. بل غياب إدارته، ما يحدث لم يعد مفاجئًا، بل متوقعًا وقابلًا للتكرار، ما يستدعي الانتقال من ردود الفعل إلى التخطيط المسبق، نحن أمام حاجة حقيقية لتطوير ما يمكن تسميته بـ “حوكمة الفضاء العام”، كإطار ينظّم العلاقة بين الاستخدامات المختلفة للمدينة، ويضمن توازن الحقوق دون إلغاء أيٍّ منها.
حلول عملية ممكنة
المطلوب ليس إجراءات معقدة، بل تطبيق مبادئ واضحة في إدارة الحشود الحضرية، من أبرزها: تثبيت طرق لا تُغلق إطلاقًا، خصوصًا المؤدية إلى المستشفيات والمحاور الحيوية.
تخصيص ممر دائم للطوارئ داخل كل محور، يُدار بوضوح وانضباط.
تنظيم مسارات الاحتفال بشكل معلن ومسبق، بما يفصل الحركة الاحتفالية عن الحركة اليومية.
توجيه الفعاليات الكبرى نحو فضاءات مهيأة—كملاعب وساحات مفتوحة—تستوعبها دون الضغط على شريانات الطّرق الحضرية.
تيسير تفريغ الطرق الرئيسية من المركبات بدلًا من تكثيفها، لضمان انسيابية الوصول.
هذه الإجراءات لا تُقيّد الفرح .. بل تحميه من أن يتحوّل إلى عبء.
المدن لا تُدار بالنيات .. بل بالمسارات
المفارقة أن المحتفلين لم يكونوا الأغلبية في البداية، لكن مع غياب التنظيم، أُجبر غير المحتفلين على الدخول في المسارات ذاتها، فتحول الجميع—دون قصد—إلى جزء من حالة ازدحام واحدة، وهكذا صنعت الفوضى .. بالتكثيف بدل التصريف، وبغياب الإطار الذي ينظّمها.
قصص لا تظهر في المشهد
في سيارةٍ ما، مريضٌ يحاول الوصول إلى المشفى، في أخرى عاملٌ في قطاعٍ حيوي يسابق وقته الذي لا يحتمل الانتظار، وأبٌ يعود مُحضراً العشاء .. ليجد أطفاله ناموا جوعى قبل أن يصل، هؤلاء لا يظهرون في المشهد .. لكنهم يتحمّلون كلفته كاملة.
العدالة تبدأ من الطريق
الوطن لا يُقاس بلحظة حماس، بل باستمرارية العدالة في أبسط الحقوق: حقّ الوصول، وما نحتاجه ليس منع الفرح، بل إعادة تعريفه: أن ننتقل من احتفالٍ يُربك المدينة .. إلى احتفالٍ يُعبّر عنها.
السؤال الذي لا يُؤجّل
هل نحتفل بالوطن .. أم نحتفل على حسابه؟ الوطن طريقٌ للجميع .. دائم، وإن أُغلق هذا الطريق في وجه واحدٍ فقط، اختلّت العدالة—لا في الطريق وحده، بل في المعنى كله.
الخاتمة :
أخيراً حوكمة الفرح هي أن نُحسن التعبير عن انتمائنا، دون أن نُربك مدينتنا أو ننتقص من حقّ غيرنا في الوصول، لان الوطن لا يُختبر في قدرتنا على الفرح .. بل في قدرتنا على ألّا نجعل هذا الفرح عبئًا على غيرنا، فالطرق التي تُغلق في لحظة احتفال، قد تفتح سؤالًا أكبر عن معنى العدالة في أبسط صورها، وفي المدن التي تُشبه أوطانها، لا يكون الطريق مجرّد مسارٍ للتّنقل .. بل مقياسًا دقيقًا لمدى احترام الناس لبعضهم، ولقدرة النظام على حماية هذا التوازن.
الوطن لا يعلق في الطريق .. بل يعلق في الطريقة التي نستخدم بها هذا الطريق.