ليس هناك تناقض عابر بين السياسة والتديّن، بل هناك شرخ عميق يكاد يلامس جوهر الإنسان نفسه. فحين نتحدث عن السياسة، فنحن نتحدث عن لعبة القوة، عن المساومة، عن القدرة على الالتفاف حول الحقيقة دون أن تُكسر قواعد الظاهر. أما حين نتحدث عن الدين، فنحن ندخل فضاءً آخر تماماً؛ فضاء الصدق الداخلي، التجرد، والانكشاف أمام الذات قبل أي شيء آخر. هنا لا يعود الإنسان قادراً على ارتداء الأقنعة، ولا على تأجيل مواجهة حقيقته.
السياسي يحتاج إلى “أنا” متضخمة، إلى مركزية الذات، إلى شعور دائم بأنه الفاعل والمحرك وصاحب القرار. هذا التضخم ليس عيباً عرضياً في السياسة، بل هو وقودها الأساسي. من دونه، لا يمكن للسياسي أن يناور، أن يصعد، أن يقاتل من أجل البقاء في المشهد. أما المتديّن الحقيقي، فمساره معاكس تماماً؛ إنه مسار تذويب “الأنا”، تفكيكها، ومراقبتها حتى تتلاشى أو تهدأ. كيف يمكن لإنسان أن يسير في اتجاهين متضادين في آن واحد دون أن يتمزق؟
السياسة تفرض على صاحبها أن يتعامل مع البشر كوسائل أحياناً، كأرقام، ككتل تصويت، كتحالفات قابلة للكسر. الدين، في جوهره، يعيد الإنسان إلى فردانيته المقدسة، إلى كونه غاية لا وسيلة. هنا يظهر التناقض الصارخ: كيف يمكن لمن يرى الناس كأدوات مرحلية أن ينظر إليهم في الوقت نفسه كذوات كاملة تستحق الاحترام المطلق؟
وليس غريباً أن نرى السياسي يعيش تحت ضغط دائم، ضغط لا يظهر فقط في قراراته، بل يتسلل إلى أعماقه. إنه يحمل صراعاً مستمراً بين ما يعرف أنه صواب وما يضطر إلى فعله. هذا التوتر لا يختفي، بل يُخزَّن، يُؤجَّل، يُقمع. وفي لحظة ما، حين تسقط السلطة، ينكشف كل شيء. الجسد يبدأ بالدفع، وكأن الفاتورة التي تأخرت طويلاً قد حان موعد سدادها. هذا ليس ضعفاً مفاجئاً، بل نتيجة تراكم طويل من الإنكار الداخلي.
في المقابل، المتديّن الحقيقي لا يؤجل حسابه مع نفسه. هو يعيش المواجهة الآن، في كل لحظة، دون وسطاء، دون أعذار. لذلك، هو أخفّ حملاً، حتى وإن بدا ظاهرياً أقل قوة. قوته ليست في السيطرة على الآخرين، بل في السيطرة على ذاته.
المشكلة لا تكمن في أن السياسي لا يستطيع أن يتديّن، أو أن المتديّن لا يستطيع أن ينخرط في الشأن العام، بل في أن كل واحد منهما يتطلب بنية نفسية مختلفة جذرياً. حين يحاول الإنسان الجمع بينهما دون وعي، فإنه غالباً ما ينتهي إلى نفاق داخلي: لغة دينية تُستخدم لتبرير ممارسات سياسية، أو سلطة تُلبس ثوب القداسة لتفادي النقد.
وهنا تصبح الخطورة أكبر، لأن الدين يفقد نقاءه، والسياسة تفقد شفافيتها. يتحول الأول إلى أداة، والثانية إلى قناع، ويضيع الإنسان بينهما.
وإذا أسقطنا هذا على واقع الأردن، سنجد أن التحدي لا يكمن فقط في الأشخاص، بل في الثقافة السياسية نفسها. حين يُستدعى الدين إلى المجال العام كشعار أو وسيلة تعبئة، دون أن يمر بتحول حقيقي في وعي من يستخدمه، فإنه يتحول إلى زخرفة لغوية لا أكثر. وحين تُدار السياسة بعقلية الحفاظ على التوازنات فقط، دون جرأة المواجهة مع الذات أو مع الواقع، فإنها تبقى تدور في حلقة مغلقة.
الأردن، كغيره، لا يحتاج إلى سياسيين “متدينين” بالشكل، ولا إلى متدينين يرفعون شعارات سياسية، بل إلى وعي جديد يفهم حدود كل مجال. يحتاج إلى إنسان صادق مع نفسه أولاً، يدرك أن السلطة مسؤولية ثقيلة وليست امتداداً للأنا، وأن الدين ليس بطاقة هوية بل تجربة داخلية تغيّر طريقة النظر إلى العالم.
عندها فقط، يمكن أن نرى تقاطعاً حقيقياً، لا بين السياسة والدين كعناوين، بل بين الصدق والوعي في إنسان واحد. دون ذلك، سيبقى الجمع بينهما مجرد وهم جميل يخفي تناقضاً لا يُحتمل.