لم يعد الكرز يُؤكل… بل يُغازَل. في موسمٍ تضخّمت فيه الأسعار والخيالات، خرجت حبّة الكرز من خانة الفاكهة إلى خانة “الرمز”: رمزٍ للرفاه والاستعراض الاجتماعي الذي يُقاس بالتغليف لا بالمذاق. وبين علبةٍ حمراء وضوءٍ خافت، تقف كعروسٍ موسمية؛ فلا يعود السؤال: هل نأكل الكرز؟ بل: هل نملك رفاهية هذه “العلاقة”؟
في زمن التضخّم، لم ترتفع الأسعار وحدها، بل ارتفع معها منسوب الدراما؛ تحوّلت حبّة الكرز إلى كائنٍ مدلّل يحتاج طقوس تقديم وإضاءة محسوبة… وكأننا لا نأكل فاكهة، بل ندخل علاقة رسمية مع ثمرة موسمية!
لم يبقَ سوى عرض الكرز في واجهات الذهب. فمع بداية شحيحة لموسم الكرز المستورد — لا المحلي — انتشرت فيديوهات لتجّار يبيعون حبّات كرز في علب مخملية أو “بوكيهات” ملوّنة… وكأنك تجهز لسياق عروس.
لم تكن الحملة عفوية، بل موجّهة بذكاء لفئة محددة، وعلى رأسها الزوجات “الحوامل والوحاما”. الرسالة واضحة: “اللي معه يتفضّل، واللي ما معه… ما بلزمه!” وهكذا صار الكرز اختبارًا للحب، ومؤشرًا على “الاهتمام” يُقاس بعدد الحبّات المغلّفة لا بالكيلوغرام.
في طبيعته، كان موسم الكرز فرحًا بسيطًا بلا بهرجة. أمّا اليوم، فقد تحوّل إلى مشروع استثماري قائم على إثارة الانبهار لا على جودة الثمار؛ يُقدَّم لا كفاكهة، بل كتجربة رفاهية.
أما التسويق، فله نبرة خاصة. يقف التاجر بثقة ويعلن:
“عنا كرز ما فيه منه بالأردن… كرز جرنك جامبو التركي! الحبّة الكبيرة! بقرش تحت أسنانك قرش!” مع توصيل مجاني.
خطابٌ بين إعلانٍ مبالغ فيه وخطبة حماسية، يتركك مترددًا: هل تضحك أم تقتنع؟
في النهاية، لم يعد الكرز فاكهة موسمية فحسب، بل تجربة اجتماعية تُقاس بفخامة التغليف لا بطعم الثمرة. إمّا أن تشتريه في علبة تشبه خاتم خطوبة، أو تكتفي بالمشاهدة وتشعر أنك فوّت موسم رفاهية عابرًا.
وربما، المشكلة ليست في الكرز… بل في شهيتنا لكل ما هو مُبالغ فيه.