التوق المستمر للحرية… رحلة في رواية «المغامرة» للكاتب التركي سامي باشازاده سيزائي . د. أسامة المجالي

 

لا تتردد في رفع القبعة لأصحاب المشاريع الناجحة؛ أولئك الذين يمتلكون مشروعًا يبذلون له كثيرًا من مالهم ووقتهم وجهدهم، والأستاذ أسيد الحوتري أحد هؤلاء، بمشاريعه المتعددة الطبقات، وأهمها برأيي المشروع التركي، الذي أتحفنا بآخر إصداراته؛ ترجمة رواية «المغامرة»، الصادرة عن دار نشر «الخليج» في نحو 185 صفحة، للكاتب «سامي باشازاده سيزائي» (1859-1936). وهذه الرواية هي العمل الثالث المترجم عن الأدب التركي الحديث، بعد صدور ترجمة مجموعتين قصصيتين هما: «حدث في الأستانة» و«إسطنبول تقول»، وهما مجموعتان من القصص القصيرة لعدد من الكتّاب الأتراك المعاصرين والمخضرمين، في الفترة الممتدة بين عهد الإمبراطورية العثمانية والجمهورية التركية الحديثة.

وأرى أن الأستاذ أسيد يعمل دون كلل على تعريف العالم العربي بالعالم التركي، بعد محاولات القطيعة التي دأب كثيرون على تكريسها عبر الزمن؛ فلدى الأتراك الكثير ليقولوه للعرب، كما أن للعرب الكثير ليشاركوه مع الأتراك، فنحن وهم كالعظم واللحم، كما تقول المفكرة التركية «ديليك تشيلنك» في إحدى محاضراتها الأخيرة.

الأستاذ أسيد من مواليد دولة الكويت عام 1974، وهو حاصل على دبلوم في اللغة التركية من جامعة أنقرة، وخريج كلية الآداب في الجامعة نفسها بدرجة البكالوريوس في اللغة الفرنسية، ثم أكمل دراسته بالحصول على درجة الماجستير في اللغة الإنجليزية في عمّان/الأردن.

أما المؤلف والروائي التركي سامي باشازاده، فهو أحد أبرز روائيي العهد العثماني الحديث. وُلد في إسطنبول لعائلة أرستقراطية، ودرس في مدارس الدولة العثمانية والإرساليات الفرنسية على حد سواء، مما جعله متعدد الثقافات. كما عُرف بمعارضته للدولة العثمانية وللسلطان عبد الحميد الثاني، وقضى في المنفى بباريس أكثر من ثمانية أعوام، متنقلًا بين الجماعات والتيارات المعارضة للخلافة، وانتسب في مرحلة ما إلى جمعية «تركيا الفتاة» وغيرها.

كان سامي باشازاده معارضًا صلبًا، مطالبًا بإصلاح قواعد الحكم التي كانت تسير عليها الخلافة آنذاك في الإمبراطورية، من تسلط وفساد وتخلف، كما كان معارضًا للضوابط الاجتماعية البالية والظالمة في الوقت نفسه. لقد دافع عن مفهوم الحرية بمختلف تجلياته، كما يتضح في أحداث روايته «المغامرة»، التي تتناول حكاية جارية تُساق إلى العبودية والخدمة في بيوت إسطنبول دون أن تُستشار أو تختار، ثم تتناقلها الأيدي يمينًا وشمالًا، محرومةً من الاستقرار والأمان والدعة والراحة والحب، التي تتمتع بها الفتيات من عمرها نفسه في البيوت التي تخدم فيها.

وكان تناول هذه الفئة المهمشة في ذلك العهد تحديًا كبيرًا للكاتب الذي كان يرغب في التغيير ويمهّد له، لكنه لم يكن يتوقع أن التغيير الذي ينادي به، هو ومئات من أحرار رعايا الإمبراطورية من ترك وعرب، سيُستخدم لاحقًا وسيلة لهدم الدولة والخلافة ثم الإمبراطورية من بعدهما، على يد أعدائها، مستخدمين أبناء الدولة ورعاياها أدواتٍ للهدم بدلًا من الإصلاح والتعافي.

ولذلك، وبعد أن رأى المآلات التي انتهت إليها الأمور، أصدر عام 1924 روايته «إجلال»، التي رثى فيها ابنة أخيه «إجلال»، وفي الوقت نفسه رثى ضياع دولته وتفككها بطريقة رمزية مواربة؛ فالغاية التي ناضل لأجلها كانت الإصلاح والخير للوطن والمواطنين، لا الهدم والتدمير. ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فالعهد الجمهوري الجديد لم يكن يطيق حتى النقد، مما أدى بالكاتب إلى اعتزال الحياة السياسية حتى وفاته عام 1936.

تحتل رواية «المغامرة» (Sergüzeşt)، وبطلتها «دلبر» الجارية القوقازية، مكانة خاصة في تاريخ الأدب التركي، سواء بموضوعها الذي يعالج الاتجار بالبشر والعبودية، أم بأسلوبها الفني. ففي تلك المرحلة المتأخرة من عمر الإمبراطورية العثمانية، أي أواخر القرن التاسع عشر، شهدت الدولة تحولات سياسية واجتماعية عميقة انعكست على مختلف مناحي الحياة، من الأدب والثقافة إلى الفن، في حواضر الإمبراطورية الكبرى مثل إسطنبول وإزمير وحلب وبغداد ودمشق وبيروت، مما أتاح الخوض في كثير من الموضوعات التي كانت محرّمة سابقًا، تأثرًا بما كان يحدث في أوروبا آنذاك.

كما تميزت الرواية بأسلوب سلس، متجاوز للنزعة التزينية في الأدب، حيث حاول الراوي أن يجعل من النص مرآةً للمجتمع والدولة، ناقدًا لهما بشجاعة ووضوح.

تبدأ الرواية بمشهد إحضار الجواري من القوقاز بالسفن إلى موانئ إسطنبول على يد تجار العبيد، الذين كانوا يشترون الفتيات من قراهن البعيدة في تلك الأصقاع النائية، أو يختطفونهن سواء بسواء، ثم يقدّمونهن للأغنياء في إسطنبول للخدمة أو للتسرّي، بحسب حاجة المالك الجديد.

وكان من نصيب الفتاة الصغيرة، ذات السنوات التسع، أن تُساق إلى بيت سيدة قاسية وفظة، تتحكم بها وتوكل إليها أقسى مهام الخدمة؛ من نقل الماء والفضلات، إلى تنظيف البيت والعمل لساعات طويلة في المطبخ وسائر أرجائه. وهكذا تمضي الرواية بلغة رقيقة ومتقنة، تصف الحوادث المروعة التي تتعرض لها الجارية في البيت الذي بيعت إليه، وفي المحطات الأخرى التي مرت بها، حيث كانت تُسام سوء المعاملة رغم رقتها وهشاشتها ولطفها.

إلى أن تُباع أخيرًا لعائلة غنية لديها شاب كريم الأخلاق، حسن الثقافة والتربية، ذو حس مرهف وموهبة فنية في الرسم، هو «جلال بيك»، الذي يقع في حب بطلتنا «دلبر»، الصبية البكر المتعطشة للحب والاهتمام، فتبادله حبًا بحب، وتقع في غرامه بكل عفة ونعومة.

لكن ذلك سرعان ما يلفت انتباه الأم الأرستقراطية، التي ترى في هذه العلاقة تهديدًا لمكانة العائلة وابنها، فتقوم، بمساعدة الأب، باقتلاع هذه الفتاة الغضة من البيت وإرسالها إلى المجهول، كما لو أنها متاع حقير، دون أي مراعاة لمشاعرها أو لمشاعر حبيبها الوفي.

بعد ذلك تتصاعد الأحداث، وتتخلل الرواية حوارات مهمة بين شخوصها، يسلط الراوي من خلالها الضوء على الصراعات الاجتماعية والتناقضات التي يعيشها المجتمع، وخاصة ما يتعلق بالموقف من الآخر وقيمه، والعلاقة بين الرجل والمرأة، والعادات والتقاليد المرتبطة بالزواج والنسب، والتنافر بين الطبقات، والنظرة إلى الحب، إضافة إلى نقد نزوع المجتمع الشرقي إلى تقليد الغرب في قيمه وأخلاقه دون قيد أو شرط، أو مراعاة للفروقات الثقافية والاجتماعية بين العالمين، خاصة ما يتعلق بالمادية الفجّة، والفردية القلقة، والأنانية التي تحكم المجتمعات الغربية، في مقابل ما يراه الكاتب من حضور للأخلاق الإسلامية التي تراعي الفطرة والسكينة الروحية لدى المؤمنين بها، على اختلاف طبقاتهم.