*تفخيخ المفاهيم* *د. ذوقان عبيدات*

 

نواجه حملة تضليل واسعة للتلاعب بعقولنا، وهذا معروف في علوم مسح العقول، وتعبئتها بالمغالطات. يتم هذا التلاعب عن طريق تفريغ الكلمات من معانيها الأصلية، وإكسابها دلالاتٍ جديدةً. وهذا ما يسمى تفخيخ المصطلحات، والمفاهيم، والكلمات. ويكثر هذا التفخيخ لمنع الشعب من الوعي، واستبدال قناعاته بأكاذيبَ، وضلالات. ونتيجة ذلك نشوء رأي عام قوي مؤيد لفلسفات، وقناعات غير وطنية.
ومن أشهر المفاهيم التي تعرضت للتفخيخ مفاهيم : الوحدة العربية، الأمة العربية، حب الوطن، المعارضة، المقاومة، السؤال، الحزبية، العقل والتفكير الناقد، والمنطق، الفن، العلمانية ، الليبرالية ، وكثير من المصطلحات الأخرى.
أما غرض التفخيخ، فهو السيطرة،
وخلق قطيع يبحث عن الماء، والكلأ. عادة ما يمارس التفخيخ من قبل سلطات، وهيئات منظمة
لها غايات غير إيجابية.
سأختار بعض الكلمات والمفاهيم التي تم تفخيخها.

( ١ )
*الوحدة العربية والأمة العربية*

تم استبدال مفهوم الدولة الوطنية، بالأمة العربية، والوحدة العربية. ونشأ مفهوم دول وطنية: مصر أولًا، سوريا أولًا، الأردن أولًا!
ألفوا نكات على العروبة، وسخروا منها، واستبدلوا الهوية الوطنية بالهوية العربية، وصار من يتحدث عن العروبة مُضحكًا، مثيرًا للسخرية! وصدرت قوانين تجرّم أي امتداد عربي لجمعية أو حزب أو جماعة! وصار شعار:
أمة عربية واحدة لا معنى له، بل
بعبع ضار، أو وهمي كالغول، والخِلّ الوفي!

( ٢ )
*المقاومة*
بدت المقاومة هذه الأيام انتحارًا، ويأسًا، وهلاكا، فالكف لا يقاوم المخرز، والمقاوم صار إرهابيّا خارجًا على القانون! وبذلك استقر الاحتلال، وصار احتلال خمس نجوم! يقولون: لم انظر إلى غزة، وجنوب لبنان! ماذا “جابت” لنا المقاومة؟ تهجير، آلاف الشهداء،
إبادة الحجر، والشجر، والبشر!
وبذلك غابت أسئلة حول الاحتلال، وكأن الاحتلال هو الشرعية، والمقاومة هي خروج عنها! لم يسأل أحد نفسه: ماذا نفعل بالاحتلال؟ ولماذا احتلوا الارض؟ ولماذا هجّروا السكان؟

( ٣ )
*المعارضة*

العقلية السلطوية لا تقبل كلمتي معارضة واختلاف! هم على يقين أنهم على حق، ومن ليس معهم باطل! هم يؤمنون بالحقيقة الواحدة، واليقين، والصح، والخطأ! ولذلك، تم تفخيخ كلمة المعارضة من معانيها الأساسية، وأنكروا عليها الرأي، وحب الوطن بطريقة غير طريقتهم! فالمعارضة هي عدو، وشيطان رجيم!

( ٤ )
*الوطنية وحب الوطن*

لعل هذا المفهوم أكثر المفاهيم المفخخة، فقد تم تفريغه من معانيه الأساسية مثل: الانتماء، والولاء، والدفاع، والتضحية، وحلّ محلها مفاهيم نفاقية، مثل: الرقص، والدبكة، والغنائم، والوظائف، والامتيازات، والتقرب، والتودد، والمديح، والابتعاد عن النقد ، وبذلك تم التشكيك، وعدم التمييز بين حب الوطن، وحب الغنائم. فاحتكر الانتهازيون حب الوطن، واتهموا الآخرين بأنهم أعداء الوطن، وتشكل ناقل وطني للنفاق تحت ذريعة حب الوطن!

( ٥ )
*الحزبية والأحزاب*
تمت شيطنة الأحزاب بوصفها عدوة للوطن، وعميلة للخارج، فحاربوها، وحرموا أعضاءها من حق العمل، وحق السفر. فاقتنع كثيرون بأنها شيطان رجيم! احتاجوا للأحزاب، فهندسوا أحزابًا “بالمقاس”. يعني استبدلوا أحزابًا شكلية بأحزاب حقيقية!!
فالحزب الحقيقي شيطان، والحزب المهندس عنوان!
وهكذا، تم تفخيخ الحزبية!

( ٦ )
*العلمانية*
تم تفريغها من معانيها في الحرية، والعقل، وقبول الآخر، وحرية المعتقد، ثم ألبسوها مفاهيم مثل: إنكار الدين، فشيطنوها! وهكذا تتم عمليات التفخيخ!
فهمت عليّ؟!!