الذكاء الاصطناعي في التعليم التقني: من أداة مساعدة إلى شريك في تطوير المهارات بقلم: الدكتور أحمد علي

رئيس قسم العلوم الإدارية والمالية
كلية التعليم التقني – جامعة آل البيت

لم يعد الذكاء الاصطناعي ترفاً تقنياً أو مجرد أداة إضافية يستخدمها الطلبة والمعلمون لإنجاز بعض المهام السريعة، بل أصبح أحد أهم التحولات التي تعيد تشكيل التعليم والعمل معاً. وفي التعليم التقني تحديداً، تبدو أهمية الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً؛ لأن هذا النوع من التعليم لا يقوم على المعرفة النظرية وحدها، بل على بناء المهارة، وتحسين الأداء العملي، وربط الطالب بسوق العمل الحقيقي. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي في التعليم التقني؟ بل أصبح: كيف نستخدمه بطريقة تجعل الطالب أكثر مهارة، والمعلم أكثر قدرة، والمؤسسة التعليمية أكثر ارتباطاً بالمستقبل؟

تشير تقارير دولية حديثة إلى أن سوق العمل يتغير بسرعة غير مسبوقة. فوفقاً لتقرير “مستقبل الوظائف 2025” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يتوقع أصحاب العمل أن تتغير نحو 39% من المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل بحلول عام 2030، كما أن مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والتقنيات الرقمية تعد من أسرع المهارات نمواً في الطلب العالمي. ويشير التقرير ذاته إلى أن نحو 59% من العاملين عالمياً سيحتاجون إلى تدريب أو إعادة تأهيل بحلول عام 2030، وأن فجوة المهارات تعد العائق الأكبر أمام تحول الأعمال لدى 63% من أصحاب العمل.

هذه الأرقام لا تخص الدول الصناعية وحدها، بل تعني الأردن والمنطقة العربية بشكل مباشر. ففي الأردن، ما تزال بطالة الشباب تحدياً ضاغطاً؛ إذ تشير بيانات البنك المركزي الأردني إلى أن معدل البطالة في الربع الثالث من عام 2025 بلغ نحو 21.4% بين الأردنيين، بينما وصلت بطالة الفئة العمرية 15–19 سنة إلى 60.1%، والفئة 20–24 سنة إلى 48.0%. كما بلغ معدل البطالة بين حملة البكالوريوس فأعلى 26.2%، وبين حملة الدبلوم المتوسط 22.3%. وهذه المؤشرات تكشف أن المشكلة ليست فقط في عدد الخريجين، بل في نوعية المهارات، ودرجة جاهزية الخريج للانتقال من مقاعد الدراسة إلى بيئة العمل.

من هنا تظهر قيمة التعليم التقني بوصفه جسراً بين المعرفة والعمل. لكنه لا يستطيع أن يؤدي هذا الدور بكفاءة إذا بقي أسير الأساليب التقليدية ذاتها. فالعالم الذي تتوسع فيه الروبوتات، والتحليلات الذكية، وأنظمة الصيانة التنبؤية، وسلاسل التوريد الرقمية، والطاقة المتجددة، والمصانع الذكية، يحتاج إلى تعليم تقني يتجاوز فكرة “التدريب على المهنة” إلى فكرة “بناء القدرة على التعلم والتكيف والابتكار”. وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً في تطوير المهارات، لا مجرد برنامج يستخدمه الطالب لكتابة تقرير أو تلخيص محاضرة.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يغير طريقة تعلم الطلبة في المختبرات والمشاغل. فبدلاً من أن ينتظر الطالب نهاية الفصل ليعرف نقاط ضعفه، تستطيع الأنظمة الذكية تحليل أدائه أثناء التدريب، وتحديد الأخطاء المتكررة، واقتراح تمارين مخصصة له. وفي تخصصات مثل الكهرباء، والميكانيك، والطاقة المتجددة، والمحاسبة الرقمية، واللوجستيات، وإدارة التزويد، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يوفر محاكاة واقعية لمواقف العمل، مثل تشخيص عطل في نظام كهربائي، أو تحليل بيانات المخزون، أو توقع تأخر شحنة، أو تقييم كفاءة استهلاك الطاقة في منشأة تعليمية.

وتؤكد منظمة اليونسكو أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في مواجهة بعض أكبر تحديات التعليم، من خلال الابتكار في التعليم والتعلم والتقييم، لكنها في الوقت نفسه تشدد على ضرورة استخدامه وفق مبادئ العدالة والشمول والنهج الإنساني. وهذا مهم جداً؛ لأن التعليم التقني لا يحتاج إلى “استبدال المعلم”، بل إلى تمكينه. فالمعلم التقني سيبقى صاحب الدور المركزي في التوجيه، والإشراف، وبناء الشخصية المهنية، وتعليم أخلاقيات العمل. أما الذكاء الاصطناعي فيمكن أن يساعده على تحليل تقدم الطلبة، وتصميم أنشطة تدريبية متنوعة، وربط المحتوى النظري بتطبيقات عملية، وتوفير وقت أكبر للتوجيه الفردي.

وقد ركزت اليونسكو-يونيفوك، بمناسبة اليوم العالمي لمهارات الشباب 2025، على أهمية تمكين الشباب من خلال الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية، مؤكدة أن التعليم والتدريب التقني والمهني يجب أن يتطور لتزويد الشباب بمهارات جاهزة للمستقبل. وبيّنت أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدعم التعلم الشخصي، والتدريب الافتراضي، والتوجيه المهني، وتحديث المناهج بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل. وفي المقابل، حذرت من تحديات مهمة مثل ضعف جاهزية المعلمين، ومحدودية البنية التحتية، وارتفاع التكلفة، وقضايا الخصوصية، والفجوة الرقمية.

لذلك، لا يكفي أن ندخل أدوات الذكاء الاصطناعي إلى القاعات الدراسية بشكل عشوائي. المطلوب هو تحول مؤسسي منظم يبدأ من المناهج. فكل برنامج تقني ينبغي أن يسأل نفسه: ما المهارات الرقمية والذكية التي يحتاجها خريج هذا التخصص؟ هل يحتاج طالب اللوجستيات إلى فهم تحليل البيانات وسلاسل التوريد الذكية؟ هل يحتاج طالب المحاسبة إلى التعامل مع أنظمة التقارير الرقمية وكشف الأخطاء؟ هل يحتاج طالب الطاقة المتجددة إلى قراءة بيانات الاستهلاك والتنبؤ بالأعطال؟ هل يحتاج طالب الإدارة إلى فهم أدوات ذكاء الأعمال والقرارات المبنية على البيانات؟ الإجابة في معظم الحالات: نعم.

كما أن إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم التقني يجب أن يرتبط بمشروعات تطبيقية حقيقية. فعندما يعمل الطلبة على مشروع مثل “مختبر أخضر للطاقة المتجددة”، أو “نظام ذكي لمراقبة استهلاك المياه والكهرباء”، أو “لوحة بيانات رقمية لمتابعة مؤشرات الاستدامة”، فإنهم لا يتعلمون الذكاء الاصطناعي كفكرة مجردة، بل كأداة لحل مشكلة محلية ملموسة. وهنا تتحول الكلية التقنية إلى مساحة إنتاج معرفة وتطبيق، لا مجرد مكان لتلقي المحاضرات.

والأهم أن الذكاء الاصطناعي يمنح التعليم التقني فرصة لإعادة الاعتبار للمهارة. ففي السابق، كان يُنظر أحياناً إلى التعليم التقني بوصفه خياراً أقل مكانة من التعليم الأكاديمي النظري. أما اليوم، فإن الاقتصاد الحديث يحتاج إلى الفني الذكي، والمشغل القادر على قراءة البيانات، والمحاسب الرقمي، وفني الطاقة القادر على التعامل مع أنظمة مراقبة ذكية، ومسؤول اللوجستيات الذي يفهم التنبؤ والجدولة والتحليل. أي أن المهارة لم تعد يدوية فقط، بل أصبحت مهارة هجينة تجمع بين اليد، والعقل، والبيانات، والتقنية.

لكن هذا التحول يتطلب شجاعة في التخطيط. لا بد من تدريب أعضاء هيئة التدريس على الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، وتوفير بنية تحتية رقمية مناسبة، وبناء سياسات واضحة للأمان والخصوصية، وتحديث أساليب التقييم بحيث لا تقيس الحفظ وحده، بل تقيس قدرة الطالب على التحليل، والتطبيق، وحل المشكلات، واستخدام الأدوات الذكية بوعي. كما ينبغي تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص؛ لأن الشركات تعرف جيداً نوع المهارات التي تبحث عنها، والمؤسسات التعليمية تحتاج إلى هذه التغذية الراجعة حتى لا تبقى المناهج بعيدة عن الواقع.

وفي السياق الأردني، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مدخلاً عملياً لمعالجة فجوة المهارات، وليس مجرد شعار للتحول الرقمي. فحين تكون بطالة الشباب مرتفعة، وحين يدخل آلاف الخريجين سنوياً إلى سوق عمل متغير، يصبح الاستثمار في التعليم التقني الذكي ضرورة وطنية. لا يتعلق الأمر بإضافة مادة دراسية بعنوان “الذكاء الاصطناعي” فقط، بل بإعادة تصميم التجربة التعليمية كاملة: كيف يتعلم الطالب؟ كيف يتدرب؟ كيف يُقيّم؟ كيف يكتشف مساره المهني؟ وكيف يتحول من متلقٍ للمعرفة إلى منتج للحلول؟

إن مستقبل التعليم التقني لن يكون لمن يملك أجهزة أكثر فقط، بل لمن يحسن توظيف التقنية في بناء الإنسان. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يسرّع التعلم، ويكشف الفجوات، ويوفر محاكاة ذكية، ويدعم القرار، لكنه لا يستطيع أن يعوض القيم المهنية، ولا روح المبادرة، ولا الانضباط، ولا العمل الجماعي، ولا أخلاقيات المهنة. لذلك فإن النموذج الأفضل ليس تعليماً تقنياً تقوده الآلة، بل تعليماً تقنياً يقوده الإنسان وتدعمه الآلة.

وخلاصة القول، إن الذكاء الاصطناعي في التعليم التقني لم يعد أداة مساعدة على الهامش، بل أصبح شريكاً في تطوير المهارات، وتحسين جودة التدريب، وربط الخريجين بسوق العمل، وتعزيز قدرة المؤسسات التعليمية على الاستجابة للمستقبل. وإذا أرادت مؤسسات التعليم التقني في الأردن والمنطقة أن تكون جزءاً من الاقتصاد الجديد، فعليها أن تنتقل من سؤال “كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟” إلى سؤال أعمق: “كيف نبني جيلاً قادراً على التفكير والعمل والابتكار مع الذكاء الاصطناعي؟”

فالرهان الحقيقي ليس على التقنية وحدها، بل على الإنسان الذي يعرف كيف يستخدم التقنية ليصنع قيمة، ويحل مشكلة، ويبني مستقبلاً أكثر كفاءة وعدالة واستدامة.

ملاحظة تحريرية: استند المقال إلى تقارير وبيانات منشورة صادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي، والبنك المركزي الأردني، ومنظمة اليونسكو، واليونسكو-يونيفوك.