في أي دولة تحترم مؤسساتها، لا يحتاج المواطن أن يخرج على الهواء مباشرة كي يحصل على حقه، ولا أن يناشد رأس الدولة ليُصلح عمود كهرباء، أو تُخفض فاتورة ماء، أو تُحل مشكلة إيجار، أو يجد فرصة عمل، أو يُنصف من ظلم إداري بسيط. لكن ما يحدث عندنا أصبح مشهدًا متكررًا ومؤلمًا إلى درجة الاعتياد؛ مواطن مسحوق يقف أمام ميكروفون إذاعي أو كاميرا متواضعة ليقول بجملة مكسورة: “أنا بناشد جلالة الملك”.
هذه الجملة وحدها كافية لفضح حجم الخلل داخل مؤسسات يفترض أنها وُجدت أصلًا لخدمة الناس. حين يصبح المواطن مقتنعًا أن أبواب المؤسسات مغلقة، وأن المسؤول المباشر لا يسمع، وأن المدير لا يتحرك، وأن الرقابة غائبة، وأن المعاملة لا تُحل إلا بعد واسطة أو فضيحة إعلامية أو مناشدة عليا، فهذه ليست مشكلة فردية، بل انهيار حقيقي في مفهوم الإدارة والمتابعة والمحاسبة.
البرامج الإذاعية التي تستقبل شكاوى المواطنين تحولت من وسيلة إعلام إلى “غرفة طوارئ” للدولة. مواطن يشكو من فاتورة كهرباء خيالية، وآخر من انقطاع ماء، وثالث من معاملة متوقفة منذ أشهر، ورابع يبحث عن دواء أو وظيفة أو حتى حق أساسي من حقوقه. وبعد دقائق من البث، يتحرك المسؤول فجأة، ويرد، ويَعِد، ويحل المشكلة أحيانًا خلال ساعات. هنا الكارثة الحقيقية: إذا كان الحل موجودًا أصلًا، فلماذا لم يتحرك إلا بعد البث؟ ولماذا يحتاج المواطن إلى منبر إعلامي حتى يشعر المسؤول بوجوده؟
أي هرم وظيفي في العالم يقوم على المتابعة والرقابة والمحاسبة. المدير يراقب القسم، والمسؤول يتابع الأداء، والمؤسسة تُقيّم الخدمة، وتُعالج الخلل قبل أن يتحول إلى صرخة مواطن على الهواء. أما عندما يصبح الإعلام هو غرفة الشكاوى الحقيقية، والمناشدة هي الوسيلة الوحيدة للتحرك، فهذا يعني أن هناك حلقات كاملة داخل الهرم الإداري لا تقوم بعملها أصلًا.
المشكلة ليست في كثرة الشكاوى فقط، بل في ثقافة إدارية كاملة اعتادت التأجيل، والتبرير، والهروب من المسؤولية. المواطن يركض بين المكاتب وكأنه متهم يحاول إثبات براءته، بينما الموظف يتعامل معه بمنطق “تعال بكرة”، وكأن وقت الناس بلا قيمة، وأعصابهم بلا حدود، وكرامتهم قابلة للاستهلاك اليومي.
الأسوأ من ذلك أن بعض المسؤولين لا يتحركون إلا عندما تصبح المشكلة علنية، وكأن معاناة المواطن لا تستحق الاهتمام ما دامت بعيدة عن الإعلام. تتحول الإدارة من خدمة عامة إلى إدارة أزمات إعلامية فقط. المهم ألا تنتشر القصة، لا أن تُحل من جذورها.
لو كانت الرقابة حقيقية، لما تراكمت كل هذه الفوضى. ولو كانت المتابعة موجودة، لما احتاج الناس إلى المناشدات. ولو كان كل مسؤول يؤدي دوره كما يجب، لما أصبح اسم جلالة الملك حاضرًا في تفاصيل يومية يفترض أن تُحل داخل أصغر دائرة خدمية في الدولة.
الدول لا تُبنى بالخطب والشعارات، بل بمؤسسات تعمل بصمت وكفاءة واحترام. والمؤسسة التي لا تسمع المواطن إلا عبر الميكروفون، هي مؤسسة فقدت معناها الحقيقي. لأن المواطن لا يجب أن يشعر أن حقه معجزة، ولا أن يعيش عمره كله وهو يطرق الأبواب بحثًا عن خدمة من المفترض أنها واجب أساسي وليست منّة من أحد.
عندما يصل الناس إلى مرحلة مناشدة أعلى سلطة في البلد من أجل أبسط تفاصيل حياتهم، فالمشكلة ليست في المواطن أبدًا، بل في هرم إداري كامل يحتاج إلى إعادة بناء، من أعلى درجات المتابعة حتى أصغر موظف يجلس خلف نافذة الخدمة.