استقلال 80… والمواطنة د. حازم قشوع

 

إنّ الأردن، وهو يمضي في تذويب الروابط الفاصلة لتغدو نسيجًا وطنيًا جامعًا عبر المواطنة الحقّة، إنما يسعى إلى بناء “المواطن الإنسان”، ذاك الذي تتعزّز في حاضنته المجتمعية روابطه الاجتماعية، فتغدو أكثر منعةً وقوةً، وأعمق أثرًا وتأثيرًا، بما يقوّي نسيجه الوطني ليصبح أكثر صلابةً وأشدّ تماسكًا؛ فلا ينفذ إليه إلا الهواء النقي الذي يثريه، دون أن يثقل كاهله بأهواءٍ عابرة قد تعيق مسيرته أو تنال من مناعته.

ومن هنا، عمل الأردن على صهر مكوّناته في بوتقةٍ وطنيةٍ موحّدة، عبر منهجيةٍ قوامها ثقافة المواطنة وصدق الانتماء، بما يطلق فضاءات الوطنية الرحبة، ويعيد ترسيم دائرة الوطن لتشمل الكلّ الوطني، حيث تعلو الهوية الوطنية فوق كل الهويات الفرعية والحزبية، وتتداخل الروابط الاجتماعية في حلّةٍ وطنيةٍ جامعة، وتتضافر الجهود لحمل راية الأمة التي تجسّدها راية الأردن: الموطن والوطن.

وفي هذا السياق، تغدو راية الاستقلال عنوانًا للوحدة والتعاضد، ورمزًا للسلام مع الذات الوطنية، كما يشكّل مناسبةً لترسيخ احترام الدستور وقيمه، وتعظيم الثقة بعقده الجامع الذي يربط مكوّنات الوطن الثلاثة: النظام السياسي، والمجتمع الوطني، ووحدة التراب، في إطارٍ من المعرفة الواعية، والبرامج الثقافية الهادفة التي تعزّز المصداقية بين هذه الأركان.

ومن خلال تمكين قنوات الاتصال، وتعزيز مناخات التواصل، تتجذّر عوامل الاستجابة الوطنية، وتتكرّس الروح الجامعة، بما يعزّز العلاقة بين بيت القرار، صاحب شرعية الحكم، والمجتمع الأردني، صاحب مشروعية القبول، ضمن إطارٍ ناظمٍ يحتكم إلى سيادة القانون.

ولذلك، فإن يوم رفع راية الاستقلال يغدو يومًا لتعزيز الثقة، وإغناء الروح الوطنية، وتأصيل قيم المواطنة التشاركية، القائمة على الولاء والانتماء، والمترجمة في ميادين التضحية والفداء، ليبقى الأردن حصينًا منيعًا، نحفظ مكانته، ونصون مكتسباته، ونعظّم رسالته، ونرفع رايته في فضاءات الحرية، حيث يقترن العلم بالعلم والعمل، ضمن منهجية الريادة والإبداع، بوصفهما أساسًا للحريات العامة والتعددية.

وحتى يصبح الوطن وطن الإنجاز والكرامة والعدالة، ومجتمع المواطنة الحقة، فإن ذلك يتجلّى في المزيج المتناغم بين الهوية الملكية صاحبة الرسالة، والهوية الوطنية صاحبة الجغرافيا، ومنهما تتشكّل الجغرافيا السياسية للأردن، التي نرفع رايتها خفّاقةً في يوم الاستقلال، وفي كل يوم.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى برنامجٍ ثقافيٍّ تثقيفيٍّ
يعزّز الوازع الوطني في وجدان المواطن، ويؤطّر سلوكه ضمن مرجعيته الوطنية، بحيث تصبح كل عبارةٍ وكل موقفٍ انعكاسًا لقيم المواطنة.

وهو ما يجعل من هذه البرامج ضرورةً لإثراء معنى رفع العلم، وربط الوطن بالمواطنة والوطنية في آنٍ معًا.كما تكتسب هذه الرؤية أهميتها في مواجهة التحديات الإقليمية والتيارات المتغيّرة، بما يعزّز قدرة الذات الوطنية على الصمود والدفاع عن وحدة الوطن. الأمر الذي يتطلب منهجيةً فكريةً واضحة، وبرامج عملٍ فاعلة، تقوم على تراكم الإنجاز واستدامته، عبر توظيف الإرادة السياسية في خدمة الاستراتيجية، لا الظرف الآني.

وفي هذا الإطار، فإن نهج المواطنة يقتضي تحقيق المصالحة بين مكوّنات الوطن الثلاثة: المواطن، والمجتمع، والنظام، عبر شراكةٍ مسؤولة تقوم على الثقة المتبادلة، وتستثمر جسور المصداقية، بما يرسّخ المنعة المجتمعية ويعزّز مسارات التنمية.
ويُعدّ المجتمع الأردني نموذجًا قابلًا للبناء والتطوير، لما يمتلكه من عناصر إيجابية، ورؤيةٍ مستمدة من الأوراق الملكية، ورسالةٍ قائمة على الأمن والحرية والاستقرار، ووسائل ترتكز على التجانس المجتمعي والمرجعية الدستورية، بما يمكّنه من بلوغ مصافّ مجتمعات المعرفة.

أما في مجال الأمن، فقد شكّل الأردن نموذجًا متقدّمًا يُحتذى، في منظومةٍ متكاملةٍ من الوقاية والاستباق والاستجابة، عزّزت مكانته إقليميًا ودوليًا، وقدّمت رسالته الأمنية مثالًا يُحتذى في محاربة الإرهاب، ومواجهة الأوبئة، وصون السلم الإقليمي والدولي.

ومن هنا، فإن إبراز هذا المحتوى في يوم رفع راية الاستقلال يأتي بوصفه جزءًا من شرعية الإنجاز، ومنهجية المواطنة المنتجة، التي تقوم على التضحية والفداء، وتعزّز روح المشاركة في حماية الأمن وصون الاستقرار.وحتى تتجسّد هذه القيم في إطارٍ مستدام، فإن بناء استراتيجيةٍ ثقافيةٍ وطنيةٍ تحت شعار: “نحو مجتمعٍ معرفيٍّ لبناء أردن أفضل”، يُعدّ ضرورةً ملحّة، لما للثقافة من دورٍ في تحصين الاستراتيجيات التنموية من تقلبات الظروف، وتعزيز الانتماء والولاء، وترسيخ القيم الوطنية.
فالثقافة الوطنية، بما تحمله من جذورٍ حضاريةٍ ومخزونٍ معرفي، تشكّل الأساس في بناء المجتمع، وهي القادرة على مواكبة التحديات وتعظيم أدوات الإبداع، بما يرسّخ قيم المواطنة والوطنية.

وهكذا، يغدو الاحتفاء بعيد الاستقلال الثمانين ليس مجرد مناسبةٍ وطنية، بل محطةً لتجديد العهد مع الوطن، وتجذير المواطنة، وصون المنجز، ليبقى الأردن، كما كان دائمًا، وطن الرسالة، وموئل الكرامة، ورايةً خفّاقةً في سماء المجد.