مبادرة نون للكتاب تستضيف ابتسام الحسبان وتناقش روايتها “سحابة أورت”

 

عمّان – واصلت مبادرة نون للكتاب نشاطها الثقافي بعقد جلستها الثالثة والأربعين في مكتبة عبد الحميد شومان بجبل عمّان يوم 23 أيار/مايو 2026، مستضيفة الروائية والباحثة الأكاديمية ابتسام الحسبان لمناقشة روايتها “سحابة أورت”، بحضور نخبة من المهتمين بالأدب والنقد والثقافة.

وشارك في الجلسة الناقدة الدكتورة إيمان قاسمية، فيما قدّم القاص ماهر طميزة المشاركين، وأدار الحوار الناقد أسيد الحوتري، بينما أضفى الشاعر محمد نصيف بعدا جماليا على اللقاء من خلال ثلاث فواصل شعرية تفاعل معها الحضور.

وقدمت قاسمية قراءة نقدية فلسفية للرواية في ضوء فلسفة (هرقليطس) القائمة على ثنائية التغير والثبات، مشيرة إلى أن الرواية لا تنشغل بسرد الحكاية فحسب، بل تطرح أسئلة تتصل بالوجود الإنساني والحياة والكون. وأوضحت أن مبدأ التدفق الأبدي الذي يشكل جوهر فلسفة هرقليطس يتجسد في الرواية عبر مواجهة بطلتها “سارة” لحالة من الجمود الداخلي، إذ بدا وكأن الزمن النفسي لديها توقف طويلا بعد سلسلة من الصدمات والخسارات، ما دفعها إلى الانعزال وإيقاف أحلامها ورفض العودة إلى تيار الحياة.

وتناولت القراءة شخصيات الرواية من منظور التغير والثبات، معتبرة أن شخصية “أم أحمد” كانت الأكثر تجسيدا لفكرة التدفق والاستمرار، من خلال تقبلها فقد ابنها بوصفه جزءا من حركة الحياة، وسعيها إلى إعادة سارة إلى حالة التوازن النفسي والاجتماعي. كما أشادت قاسمية باللغة الشعرية الأنيقة في الرواية، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن كثرة الشخصيات، التي بلغت نحو (24) شخصية، جعلت بعض الحضور السردي يبدو محدود الأثر في تطور الأحداث.

وشهدت الجلسة نقاشا موسعا بين المشاركين والحضور تناول عدة محاور نقدية ارتبطت بطبيعة الرواية وبنيتها الفكرية والسردية. وتمحور النقاش الأول حول مدى حضور التأملات والأسئلة الفلسفية في النص، وما إذا كانت قد طغت على البناء السردي. وذهب جانب من الآراء إلى أن الرواية تبدو أقرب إلى “رواية حالة” منها إلى “رواية أحداث”، الأمر الذي يجعل كثافة التأملات جزءا من طبيعتها الفنية لا عبئا عليها، إذ تدور الرواية حول أسئلة كبرى تتصل بالحب والقدر والموت والسعادة والحقيقة والهوية.

وتناول النقاش ما إذا كانت هذه الأسئلة نابعة من التجربة السردية للشخصية أم أنها مفروضة على النص من الخارج. ورأى المشاركون أن جزءا كبيرا منها يتولد من التجربة النفسية التي تمر بها البطلة، بعد فقد الزوج والشعور بالذنب وتشظي العلاقات الإنسانية، حيث يقود الفقد الإنسان أحيانًا إلى إعادة مساءلة المسلمات والأسئلة الكبرى المرتبطة بمعنى الحياة والذات.

أما المحور الثاني فتناول جوهر الرواية وما إذا كانت رواية حب أم رواية بحث عن المعنى. وخلصت المناقشات إلى أن الحب حاضر بقوة داخل النص، لكنه لا يشكل مركزه الحقيقي، بل يبدو وسيلة تعبر من خلالها البطلة نحو فهم ذاتها. وأشار الحضور إلى أن سارة لا تبدو منشغلة بسؤال “من أحب؟” بقدر انشغالها بأسئلة من قبيل: من أنا؟ ماذا أريد؟ وما معنى الحياة والموت؟ كما رُبطت الشخصيات المحيطة بها بوظائف نفسية ووجودية متعددة، إذ مثلت في جانب منها مرايا انعكست عبرها تحولات البطلة وصراعاتها الداخلية.

وتناول المحور الثالث العلاقة بين عنوان الرواية “سحابة أورت” والبنية السردية للنص، حيث رأى المشاركون أن العنوان يحمل دلالة رمزية تتجاوز كونه تسمية للعمل. فكما تحيط سحابة أورت بالنظام الشمسي وتضم عناصر بعيدة كامنة قد تتحرك فجأة نحو الداخل، بدت حياة البطلة محاطة بذكريات وأسئلة ومشاعر مؤجلة لا تختفي، بل تعود باستمرار لتؤثر في مسارها النفسي والوجودي. كما أشار النقاش إلى أن الرواية نفسها تتخذ بنية قائمة على شظايا من الذكريات والرسائل والأحلام والشخصيات المتعددة، التي تبدو متفرقة في البداية لكنها تعود لتلتقي جميعا حول مركز واحد يتمثل في سارة وأزمتها الوجودية.

وفي ختام الجلسة، كرّمت مبادرة نون للكتاب المشاركين، ووجهت الشكر إلى مكتبة عبد الحميد شومان على استضافة اللقاء، قبل أن تختتم الفعالية بصورة تذكارية جماعية للحضور.