حملتنا عواصف الأحداث التي ألمّت بالمنطقة في أواخر ستينات القرن الماضي، وألقت بنا على تخوم الجزيرة العربية الشمالية، في مدينة صحراوية تستقر داخل منخفض وادي السرحان، الذي شكّل عبر الزمن ممراً للسيول ومهداً لواحات صغيرة قامت في قلب الجفاف.
هناك، بين الكثبان الرملية وطرقات المدينة الترابية التي كنا نسلكها إلى المدرسة والسوق والمغامرة، مضت سنوات طفولتي.
ومن بين ما بقي عالقاً في الذاكرة من تلك الأيام، تبرز حادثة كلما استدعيتها عاد معها سؤال قديم:
«لماذا يا أبي؟»
كان منزلنا ذا طابع عربي، يحيط به سور مرتفع، وتقوم في فنائه بئر ارتوازية عذبة الماء، نستخرجها يدوياً بدلو مربوط بطرف حبل.
وكان منزلنا يقع في طرف المدينة، تطل عليه تلال جبلية، يقوم فوقها مدرج ترابي ممهّد، كانت تسوّيه جرّافة بين حين وآخر، ويُستخدم لهبوط الطائرات الصغيرة ذات المحركين، وكان يُسمّى ـــ على بساطته ـــ المطار.
في منطقة نائية منه، كان يرقد حطام طائرة مدنية، اعتدنا أن نقصده في مغامراتنا الطفولية؛ ندخل بطنها المفرغ، نصعد إلى قمرة القيادة، نعبث بأذرع التحكم ومقابضها، ونحاول الإقلاع بها… لكنه لم يحدث إلا في الخيال.
كان ميدان طفولتنا، الذي تعصف به رياح محمّلة بحبيبات الرمل، يمتد من سور البيت، وينفتح على الخلاء المحيط بالحارة، وصولاً إلى مطار أحلامنا.
كنا نسير فوق الكثبان الرملية مع الأصدقاء، نقتفي أثر الكائنات الصغيرة التي تلوذ بالأعشاب الفقيرة، ولا نتوانى عن ارتكاب “جرائم” صغيرة ضد السحالي والحرابي التي كان سوء حظها يلقي بها في طريقنا.
كانت تلك تسلية الطفولة التي منحتنا إياها البيئة وسوء الحال.
تلك السنوات تركت ـ في قلبي ذكريات جميلة ـــ على قلتها ـــ وجراحًا غائرة ما زالت تنبض بالألم.
وتعود إليّ ذكريات كثيرة، تتقدّم بينها حادثة خالفتُ فيها أبي، فكان عقابها قاسيًا.
كنت مع رفيق طفولتي، أحد أبناء الجيران، ندور حول سيارة صغيرة متوقفة أمام منزلهم، وقت عودة أبي في الظهيرة.
التقيته في الطريق، وعدنا معًا إلى البيت، وحين وصلناه طلب مني أن أمكث داخله، لكن عفريت الطفولة أبى إلا أن يزين لي حلاوة اللعب في ذلك الوقت.
خرجت متسللًا وعدت إلى أصدقائي لنكمل اللعب تحت شمس الظهيرة.
لم تمضِ سوى دقائق حتى فوجئت بأبي يتجه نحوي، وكان مظهره ينذر بالعقاب. تفتق ذهن العفريت الصغير ـــ حضرتنا ـــ عن فكرة الهرب، فانطلقت في الاتجاه المعاكس، أدور حول الشريط السكني الممتد بمحاذاة الشارع الترابي.
وما إن خرجت من منطقة الظل حتى وجدت أبي قد استدار من الجهة الأخرى، مناورًا لملاقاتي.
فأطلقت ساقيّ للريح باتجاه الجبل، مخطئًا في الظن أن الأمر مجرد لعبة.
لكن أبي لم يتوقف عن ملاحقتي، وظل يسير خلفي متوعدًا.
عندها أدركت أنني محاصر بين أبي والجبل، وأن لا مهرب من الوقوع في حفرة سوء تقديري.
استسلمت، وجلست أنتظر وصوله باكيًا.
وحين اقترب مني، نزع حزامه الجلدي من وسطه، متهيئًا لأن ينزل بي أشد العقاب.
لم تشفع لي سنواتي التسع، ولا غبائي الطفولي، ولا حكمته الأربعينية. تلقى جسدي الصغير لسعات حزامه المؤلمة، ثم أمسك بيدي وعاد بي إلى البيت، وأنا أولول وقد اختلط وجهي بالدمع والعرق والمخاط.
لا أدري متى خفّ عني إحساس الضحية، وتوقفت عن طرح السؤال: «لماذا يا أبي؟»
ربما حين وجدتني أحمل حزامي الجلدي لأعاقب به ولدي، أو حين قفز الطفل من الألم بعد أن التف الحزام حول جسده فأخطأ موضعه، أدركتُ غباء الفكرة، وسلوكياتٍ كثيرة ما زال صداها يتردد حتى اليوم.
ومع مرور السنوات، صرت أعود إلى تلك الحادثة بعين مختلفة؛ فأشعر أن أبي كان يرى ما لم أكن أراه أنا الطفل، وربما كان يعرف عن رفيقي ما لم أخبره به يومًا.
فأنا لم أحدثه ــ مثلاً ــ عن أفعال صاحبي العبثية وشقاواته الصغيرة.
كتلك المرة التي تسلل فيها إلى مضافة والده، وجمع داخل “باكيت” سجائر لفافات متفرقة من التبغ الفاخر؛ من “كنت” و“كرافن” و“غولد ستار” و“مارلبورو”. كان يأخذ من كل علبة سيجارة واحدة فقط، حتى لا ينكشف أمره.
لم نكن ندخن، لكنه عبث الطفولة، وإغراء التقليد، وشهوة امتلاك ما يخص الكبار.
خرجنا يومها إلى بيت قيد الإنشاء في طرف الحارة، وغرس صديقي السجائر في كومة رمل صغيرة بيننا، كمن يستعرض كنزًا ثمينًا.
لكن استعراضه لم يدم طويلاً؛ إذ هبط علينا أحد عمال الورشة فجأة، فاستولى على كنزنا الصغير، وطردنا من قلعتنا الرملية، لنعود إلى ميداننا بخفي حنين.
عندما رحل أبي، كنت في الثانية عشرة من عمري.
كان يستند إلى كتفي الصغير، فيما تمسكه أمي من الجهة الأخرى، نسنده معًا ليقضي حاجاته ونخفف عنه وطأة المرض.
وفي ليالي معاناته الطويلة، كنت أسهر إلى جواره صامتًا، وقد خيّم عليّ صمته وثقله. ثم، وكأن وجودي قربه كان يرهقه، يلتفت إليّ بعطف خافت قائلاً: «اذهب للنوم».
ما زلت أجلس معه في وحدتي إذا اشتد بي أمر؛ أعاتبه تارة، وأعتذر منه تارة أخرى.
وما زال سؤالي يتردد في داخلي، لكن بصوت من يشتاق لا من يحتج:
«لماذا… لماذا يا أبي؟»