أ.د. محمد الفرجات
العقبة ليست مدينة عادية في الجغرافيا الأردنية، بل هي المدينة الساحلية الوحيدة في المملكة، والنافذة البحرية الوطنية التي تختصر في مساحتها المحدودة أدواراً اقتصادية وتجارية وسياحية وصناعية ولوجستية وسكانية متشابكة.
فهي منطقة اقتصادية خاصة، ومركز تجاري وصناعي، وتضم مطاراً دولياً وموانئ متعددة، وتستقطب الاستثمار والسياحة والعمل والإقامة معاً. ولهذا فإن التخطيط العمراني فيها لا يجوز أن يُقرأ بمنطق القطعة الأرضية المنفردة أو العائد الاستثماري قصير الأمد، بل بمنطق المدينة المتكاملة التي تحافظ على روحها وقيمتها وميزتها التنافسية والإنسانية.
ومن أهم تلك الميزات التي منحت العقبة شخصيتها المتفردة: إطلالة البحر.
العقبة مدينة ذات تدرج طبوغرافي واضح؛ فمن مداخلها القادمة من وادي عربة ووادي اليتم، ومن أحيائها المرتفعة كالتاسعة والخامسة والسابعة والشلالة وغيرها، تنحدر الأرض من مئات الأمتار فوق مستوى سطح البحر وصولاً إلى الشاطئ عند متر أو أقل. وهذا التدرج الطبيعي لم يكن مجرد خاصية جيومورفولوجية، بل شكل عبر الزمن جزءاً من التجربة البصرية والوجدانية للمدينة.
يفرح أهالي العقبة وزوارها وسياحها دائماً بذلك المشهد الفريد: مدينة تتدرج نحو البحر، وبحر أزرق يظهر في الأفق من الشوارع والأحياء والمرتفعات، فيمنح شعوراً بالاتساع والسكينة والانتماء للمكان.
لكن المؤسف أن هذه الإطلالات البحرية بدأت تتراجع مع الزمن، حتى أصبح البحر يختفي من مسافات ومواقع عديدة كان يشكل فيها عنصراً بصرياً أساسياً.
لقد تقلصت المساحات الشاطئية أصلاً بفعل الطبيعة الخاصة لخليج العقبة، حيث يلتصق البحر بالجبال والطريق في أجزاء واسعة، الأمر الذي يحد من وجود شواطئ طبيعية واسعة وقابلة للاستخدام العام. ومع محدودية الشريط الساحلي، تصبح الرؤية البصرية للبحر نفسها مورداً عاماً لا يقل أهمية عن الشاطئ.
غير أن التوسع العمراني العمودي، خاصة لبعض المنشآت والفنادق الممتدة عمودياً على الواجهة البحرية، أسهم للأسف في حجب الرؤية عن أجزاء واسعة من المدينة، ولا سيما باتجاه البحر الشمالي ومن وسط المدينة والمناطق القريبة من الساحل.
وهنا لا يدور الحديث ضد الاستثمار أو الأبراج أو التنمية، فالعقبة تحتاجها بلا شك، وإنما عن كيفية توافق التنمية مع المشهد البصري والحق الجماعي في الإطلالة.
فالمد العمراني العمودي غير المنسجم مع خطوط الرؤية وإمكانات الإطلالة البحرية يساهم تدريجياً في إخفاء البحر عن المدينة ذاتها، ويحوّل هذا المورد الجمالي والنفسي العام إلى امتياز بصري محصور بقلة من المواقع والمباني.
وقد قمت بالإشراف على إعداد المخطط الشمولي الاستراتيجي للبتراء 2012–2030، وكان من أهم مكوناته بناء النماذج المكانية الرقمية لحساسية الأرض، حيث اعتبرنا الحفاظ على الرؤية الأفقية المباشرة والإطلالات نحو جبال البتراء عنصراً أساسياً في التخطيط.
وتم إدخال ذلك صراحة ضمن مخططات استعمالات الأراضي والأحكام التنظيمية، لأن المشهد الطبيعي ليس تفصيلاً جمالياً، بل جزء من الهوية والقيمة الاقتصادية والثقافية والنفسية للمكان.
لا يبدو أن هذا البعد يحظى بالاهتمام الكافي في العقبة في المخططات القائمة لإستعمالات الأراضي، رغم أن الحفاظ على الإطلالات البحرية يعد من المبادئ الراسخة في كثير من المدن الساحلية العالمية، حيث تُحدد ممرات بصرية (View Corridors) وخطوط رؤية محمية، وتُضبط الارتفاعات والكثافات واتجاهات البناء بما يحقق التوازن بين الاستثمار والحق العام بالمشهد.
ولا يقتصر الأمر على البحر وحده، بل يمتد أيضاً إلى اختفاء كثير من الساحات والمنافس الفضائية بين الأحياء، والتي أصبحت تباع أو تُملأ تدريجياً بالبنايات العالية، متناسين أن المدن ليست كتل إسمنتية فقط، بل فضاءات إنسانية يحتاج سكانها إلى الضوء والانفتاح البصري والتنفس الحضري والإحساس بالمكان.
فالإنسان لا يعيش داخل شقة أو مبنى فقط، بل يعيش ضمن مشهد حضري ونفسي متكامل. والرؤية المفتوحة نحو البحر أو الجبال أو الفضاء العام ليست رفاهية، بل عنصر مثبت الأثر على الصحة النفسية وجودة الحياة والانتماء الحضري.
ومن هنا، فإن الحاجة تبدو ملحّة أمام مفوضية العقبة لإعادة مراجعة الأحكام التنظيمية المرتبطة بمخططات استعمالات الأراضي، وبخاصة ما يتعلق بـ:
حماية ممرات الرؤية البصرية نحو البحر من المناطق المرتفعة والأحياء الرئيسة.
إعادة تقييم ارتفاعات واتجاهات الكتل العمرانية على الواجهة البحرية.
الحفاظ على الساحات والمنافس الفضائية بين الأحياء وعدم استنزافها عمرانياً بالكامل.
إدماج نماذج الرؤية الرقمية والتحليل الطبوغرافي في اتخاذ القرار التخطيطي.
اعتماد مفهوم “الحق البصري بالبحر” كجزء من العدالة المكانية وجودة الحياة.
العقبة لا يجب أن تتحول إلى مدينة ترى البحر فقط من داخل الفنادق أو الأبراج، بل إلى مدينة يعيش البحر في ذاكرتها البصرية اليومية.
فحين نفقد إطلالة البحر، لا نخسر منظراً فحسب، بل نفقد جزءاً من هوية العقبة وروحها وميزتها التي لا تعوض.
أحيي جهود الزملاء في مجلس مفوضي العقبة، وكل المديريات والكوادر والتي تعمل لخدمة وإستدامة وتطوير المدينة والنهوض بها، وأقدم خدماتي وخبراتي تطوعا ومجانا، خلال هذا الصيف إن رغبوا، حيث أنني لا أنزل موادا على الفصل الصيفي، وأسخره للأعمال التطوعية والمبادرات منذ عام ٢٠٠٣.