حين ترحل الأم، لا يغيب جسد غال فحسب، بل ينكسر في النفسِ قانونُ الأمان، ويُخيّل إلى المرء أنَّ العراء قد صار قدراً، وأنَّ النوافذ التي كانت تشرعُ نحو الطمأنينة قد اغلقت إلى الأبد. لكن سبحانه وتعالى قد يعوض المرء بقلب أبٍ ففي تلك اللحظة الفاصلة من التيه والامتحان، لم يكن أبي مجرد أبٍ يمارس رِعايته، بل كان “الوجودَ البديلاً”، والملاذَ الأول والأخير الذي تلقّف انكساري، أعاد رتقَ روحي المتعبة ليصبح الحصنَ الذي آوي إليه كلما عصفت بي رياح الحياة. لقد تجلّت أبوةُ أبي كقانونٍ صارمٍ من الحنانِ والاحتواء. فلم يكن أبي مجردَ والدٍ يواسي، بل كان “الملجأَ الأولَ والأخير”، والحصنَ السامقَ الذي امتصَّ صدمةَ اليُتمِ الكبرى،ليعيدَ صياغةَ حياتي من ركامِ الحزن.
وفي منارة العلم وسند المعرفة لم يكن أبي مجرد أب، بل كان الداعم الأول والدافع الشغوف وراء كل نجاح أكاديمي حققته. فمن المحاضرةِ الأولى إلى عتباتِ الدكتوراه في البكالوريوس، مهّد الطريقَ وحمى شغفي من عثراتِ البدايات وبكل خطوة كنت أخطوها نحو المستقبل، كان يغدق عليّ من ماله الخاص وجهده دون كلل. فلم يتوقف طموحه ورغبته في رؤيتي في أعلى المراتب عند هذا الحد؛ بل أصر على أن أُكمل الماجستير من حر ماله، واضعاً مستقبلي العلمي فوق كل اعتبار كأولويةٍ قصوى تفوقُ كل حسابات الدنيا..! واليوم، لا يزال قلبه الكبير ينبض العطاء،إذ يدفعني بكل حب وعزيمة لأكمل تلك المسيرة وأحصل على درجة الدكتوراه، متكفلاً بكل تفاصيلها بحسابه الخاص، إنه يرى في شهادتي الكبرى امتداداً لكرامته ورسالته في الحياة ليكون بحق باني صرحي العلمي والمعرفي في بناء المستقبل وحلم الاستقرار. فعطاء أبي لم يقتصر على مقاعد الدراسة والشهادات الأكاديمية، بل امتد ليرسم ملامح حياتي المهنية والشخصية بأبهى صورة. كأب بارعٍ يخشى على ولده غوائل الأيام. يسعى بكل ما أوتي من سعةٍ وتضحية ليؤسس لي مكتبَ محاماةٍ متكاملاً من ماله الخاص ليكون منطلق في في الحياة ليتحول اسمه بمسيرتي من صفة الأب إلى صفات المؤسس والداعم الأكبر ! فلم يكن أبي إلا جبل صامتُ استند إليه حين تميلُ بي الأرض؛ هو الكيانُ الوحيدُ الذي يرى نجاحَ أبنائه امتداداً لكرامتِه، ووجودَهم سياجاً يطوّقُ غوائلَ الزمن. هو الجيش الكامل الذي اختصره رجلٌ واحد!
ولأنَّ حنانَه يرفضُ أن يتركني وحيداً في منتصفات الطريق،
يسعى ويخطط ليزوجني ويؤسس لي حياة مستقرة، متحملاً كافّة الأعباء المادية والمعنوية من مالِه الخاص. فإنَّ أبي يريدُ أن يطمئنَّ أنَّ الشجرةَ التي سقاها بدمِ قلبِه قد ضربت الجذور في الأرض، وأثمرت، وصار لها ظلٌّ يخصّها.!
اترافع اليوم نيابة عن نفسي إليك وأقول أبي الغالي:
إن العبارات تقف عاجزة،ومفردات اللغة ضئيلة أمام عطاءَك السخيَّ الذي أطوق به فما قدمته وما تقدمه لي لا يمكن حتى لسطور الدنيا أن توفيه حقه؛ فقد كنتَ لي الوطنَ البديل حين ضاقت بي المنافي،ويدَ تمتدُ لتنتشلني كلما تتعثر خطواتي! ادعو الله أن يحفظك لي ذخراً، وأن يمد في عمرك وأن يديم عليك الصحة والعافية، لتظل تاجاً أزين به الرأس تراني بحبٍّ وأراكَ بفخر أفاخر به الدنيا بأسرها. وتجني ثمارَ ما زرعتَه فيّ مجداً، ورفعةً، ونجاحاً يسرُّ قلبَك النبيل!
المحامي: محمد الرشايدة ✍🏻