كتب أ.د. محمد الفرجات
في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه وسائل التواصل الاجتماعي مساحة للتواصل وتبادل المعرفة وبناء العلاقات الإنسانية السليمة، تحولت بعض زواياها المظلمة إلى مستنقعات حقيقية للنصب والاحتيال والابتزاز، تديرها حسابات وصفحات وهمية تتقن الخداع والتلاعب النفسي، وتستهدف الشباب وكبار السن والرجال والنساء على حد سواء.
وتعتمد هذه البيئات المشبوهة على استراتيجيات مدروسة تبدأ غالباً بإنشاء هوية مزيفة بعناية، ثم استدراج الضحية عبر منصات التواصل العامة، قبل محاولة نقل الحوار إلى تطبيقات أخرى مثل واتس أب أو تليجرام أو برامج الاتصال الصوتي والمرئي. وفي كثير من الأحيان لا يكون الهدف مجرد التواصل، بل إدخال الضحية إلى بيئة يتحكم بها المحتالون بالكامل، بعيداً عن أعين الرقابة وسهولة التوثيق.
وتشير العديد من الوقائع إلى أن نجاح هذه الشبكات لا يعتمد على المهارات التقنية بقدر ما يعتمد على استغلال الطبيعة البشرية، من خلال الإغراء أو استثارة الفضول أو بناء الثقة الزائفة.
وعندما تفشل محاولات الاستدراج المباشر المرئي، تلجأ بعض هذه الجهات إلى أساليب أخرى أكثر خبثاً، تقوم على التلاعب وتزوير المحتوى النصي للمحادثات ومحاولة صناعة نصوص كتابية وهمية سواءا سياسية أو لا أخلاقية لإخافة الضحايا أو ابتزازهم.
ومن بين أخطر الأساليب التي يتم تداول الحديث عنها في هذا السياق، محاولة تقديم محادثات نصية بصورة مضللة من خلال اقتطاع أجزاء من حوارات عامة وروتينية، أو دمجها مع نصوص أخرى خارج سياقها، أو إعادة ترتيب محتواها لإعطاء انطباع غير حقيقي، أو حتى لو كانت حقيقة.
ويعتقد القائمون على هذه الأساليب أن بإمكانهم تحويل مثل هذا المحتوى إلى وسيلة ضغط نفسي أو تهديد أو ابتزاز مالي، مستغلين خوف بعض الضحايا من التشهير أو سوء الفهم.
والمثير للاستغراب أن كثيراً من هذه المحاولات تقوم على قدر كبير من السذاجة والاستخفاف بوعي الناس، إذ يظن مرتكبوها أن مجرد عرض محتوى مكتوب عن محادثات نصية مجتزأ أو مضلل كفيل بإخضاع الضحية أو دفعها إلى الاستجابة لمطالبهم.
ورغم أن هذه الأساليب قد تنجح أحياناً مع بعض الأشخاص، إلا أنها في جوهرها تعكس عقلية إجرامية تقوم على الخداع والتزييف واستغلال المخاوف الإنسانية.
الأمر الأخطر ليس مالي:
ولا تتوقف الخطورة عند حدود الاحتيال المالي فحسب، بل تمتد إلى احتمالات أكثر تعقيداً، خاصة عندما تكون هذه الأنشطة منظمة أو ممنهجة.
فكل شبكة تعتمد على استدراج الأشخاص وجمع المعلومات عنهم ومحاولة التأثير عليهم أو إخضاعهم للضغط تثير تساؤلات مشروعة حول أهدافها النهائية، وما إذا كانت تتجاوز الجريمة التقليدية إلى أغراض أخرى قد تمس أمن المجتمع واستقراره أو تسهم في توجيه بعض الأفراد نحو سلوكيات ضارة أو أعمال تخريبية.
ومن هنا تبرز أهمية الوعي المجتمعي بوصفه خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الظاهرة. فكلما ارتفع مستوى الوعي الرقمي لدى المستخدمين، تراجعت فرص نجاح المحتالين والمبتزين. كما أن عدم الاستجابة للضغوط أو التهديدات والإبلاغ الفوري عن أي نشاط مشبوه يسهم في تجفيف منابع هذه الجرائم والحد من انتشارها.
وفي هذا الإطار، يستحق رجال الأمن في مديرية الأمن العام ووحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية والبحث الجنائي والأمن الوقائي كل التقدير، إلى جانب جهاز المخابرات العامة والاستخبارات العسكرية، لما يبذلونه من جهود متواصلة في مواجهة الجرائم المستحدثة والتصدي للمخاطر التي تتخفى خلف الحسابات الوهمية والشبكات الإلكترونية المشبوهة.
لقد أصبح الأمن الرقمي جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني والمجتمعي، وأصبحت مواجهة هذه المستنقعات مسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات والمواطنين. فالمحتالون والمبتزون يعيشون على جهل ضحاياهم وخوفهم، أما الوعي والثقة بالقانون والإبلاغ المبكر، فهي الأدوات التي تكشفهم وتحرمهم من تحقيق أهدافهم، مهما تعددت أساليبهم وتغيرت وجوههم خلف الشاشات.