آفاق غامضة: قراءة في طبيعة التفاهمات الأمريكية الإيرانية وسيناريوهات المستقبل محسن الشوبكي

 

تثير التفاهمات الأولية الأخيرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران حزمة من التساؤلات الجوهرية حول طبيعة التحولات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما أنها تأتي في توقيت حساس محكوم باعتبارات داخلية وإقليمية بالغة التعقيد لكلا الطرفين. ومن الناحية الاستراتيجية والأمنية، يبدو أن إطلاق أحكام قطعية أو تقييم هذا الاتفاق بشكل حاسم في الوقت الراهن، سواء بوصفه انتصاراً لأحد الأطراف أو تراجعاً للآخر، هو أمر سابق لأوانه ولا يستند إلى أرضية صلبة، إذ إن المشهد الحالي لا يعدو كونُه إطاراً عاماً أو خارطة طريق أولية تخضع لاختبارات زمنية وميدانية قاسية خلال مهلة الستين يوماً المقررة.
إن القراءة المحايدة لطبيعة هذا التفاهم تُظهر أنه صيغ بطريقة تلبي الاحتياجات العاجلة والملحة لكل من واشنطن وطهران دون معالجة الجذور العميقة للخلاف؛ فالإدارة الأمريكية تسعى بشكل واضح إلى تجنب التصعيد العسكري لحسابات سياسية داخلية وتحالفية، والتركيز على تأمين خطوط الملاحة الدولية في مضيق هرمز واستقرار أسواق الطاقة العالمية، في حين تجد القيادة الإيرانية في هذه التهدئة فرصة لالتقاط الأنفاس ومواجهة الضغوط الاقتصادية الهيكلية والصراعات الداخلية بين التيارات السياسية والدينية، مما يجعل هذا التفاهم مدفوعاً بحاجة الطرفين إلى هدنة وظيفية متبادلة أكثر من كونه رغبة في صياغة سلام شامل ومستدام.
وتكمن المعضلة الأساسية في أن هذا الاتفاق ركز على ملفات المرحلة الأولى المتعلقة بأمن الملاحة والتدفقات النفطية والتهدئة العسكرية المؤقتة في بعض الجبهات، بينما قفز تماماً فوق العقبات الأكثر تعقيداً مثل مستقبل البرنامج النووي، ونسب التخصيب، وأجهزة الطرد المركزي، فضلاً عن ملف القدرات الصاروخية ومناطق النفوذ الإقليمية وحلفاء طهران في المنطقة. هذا القفز المشترك فوق الألغام السياسية يعزز فرضية أن الاتفاق قد يراوح مكانه ويكتفي بمرحلته الأولى فقط، نظراً لصعوبة الانتقال إلى مراحل أعمق تتطلب أثماناً سياسية باهظة يعجز الطرفان عن دفعها أمام جبهاتهما الداخلية، فضلاً عن وجود فيتو إقليمي من أطراف أخرى لا يمكن تجاوز مصالحها الأمنية بسهولة.
بناءً على هذه المعطيات، يظل الباب مفتوحاً أمام احتمالات متعددة؛ فقد تنجح هذه المهلة المؤقتة في فرض أمر واقع جديد يتسم بالرمادية وتجميد الصراع لفترات أطول، أو قد ينهار هذا الإطار الهش عند أول اختبار حقيقي في تفاصيل الآليات التنفيذية المشروطة، مما يعيد المشهد إلى مربع التصعيد. وفي النتيجة، فإن القيمة الحقيقية لهذه التفاهمات لن تتضح إلا بعد مراقبة مدى التزام الأطراف بالخطوط الحمراء المتبادلة ومدى قدرة الدبلوماسية على الصمود فوق جسر من الثقة المعدومة، مما يجعل التقييم النهائي معلقاً بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من سلوك عملي على الأرض.