ليست الغربة دائماً بُعداً عن المكان، بل أحياناً تكون شوقاً لا يهدأ لنسمة وطن، ولعلم يرفرف بين الأهل، ولنشيد يعيد إلى القلب نبضه الأول.
في إحدى زوايا الغربة، كانت سيدة أردنية تحمل في قلبها الأردن كله، وتمسك بيد ابنتها الكفيفة التي لم ترَ جبال عمّان ولا سهول الشمال ولا رمال الجنوب، لكنها كانت ترى الوطن بقلبها، لم تكن الأمنية كبيرة، ولم تكن طلباً لمصلحة أو منفعة، بل كانت حلماً بسيطاً “أن تعيش ابنتها لحظة الوطن بين الأردنيين، أن تسمع الهتافات، وتشعر برفرفة الأعلام، وتشارك الجميع فرحة تشجيع المنتخب الذي يجمع القلوب تحت راية واحدة”.
كانت الأم تريد أن تمنح ابنتها ما هو أكبر من المشهد، أرادت أن تمنحها الإحساس بالانتماء، أن تقول لها إن الأردن ليس حدوداً على خريطة، بل أهل ومحبة وكرامة وعائلة كبيرة تمتد أينما وجد الأردنيون.
وحين وصلت الرسالة، جاء الرد أسرع مما توقع الجميع، كان الحضور الملكي قبل أي شيء آخر، وكأن الملك أراد أن يقول إن أبناء الأردن جميعاً قريبون من القلب، مهما ابتعدت بهم المسافات، لم تكن الاستجابة لمجرد طلب، بل كانت رسالة إنسانية عميقة بأن الأسرة الأردنية الواحدة لا تنتهي عند حدود الوطن، وأن أبناءها في الغربة يبقون جزءاً أصيلاً من حكايتها.
في تلك اللحظة، لم تكن السيدة وابنتها وحدهما من شعرتا بالفرح، بل شعر كل أردني أن بينه وبين قيادته جسراً من الثقة والمحبة لا تعيقه المسافات، فالوطن الحقيقي هو أن تشعر بأن صوتك مسموع، وأن همسك يصل، وأن هناك من يراك ويقدّرك مهما كنت بعيداً.
لقد أثبتت تلك القصة أن خدمة الوطن ليست مرتبطة بمكان الإقامة، ليس شرطاً أن تكون داخل الأردن لتكون جزءاً من نبضه وعطائه، فكم من أردني حمل اسم بلده بفخر في بلاد العالم، وكم من مغترب بقي سفيراً لوطنه بأخلاقه وانتمائه ووفائه.
الأردن ليس مجرد أرض نشتاق إلى ترابها، بل شعور يسكننا أينما ذهبنا، وحين يشتد الحنين، نتذكر أن لهذا الوطن وقائده قلباً كبيراً يتسع للجميع، وأن أبناءه، داخل البلاد وخارجها، هم أفراد أسرة واحدة.
اشتقت لتراب الأردن… لكن عزائي أن الأردن لا يغيب عن قلوب أبنائه، وأن الوطن الذي يسكن الروح لا تعرفه المسافات.
ما اجملك سيدنا ابو الحسين وما أنقى قلبك.