عثمان بنطالب
برلمان الشعب أم برلمان النظام؟.. الجزائر على موعد مع استحقاق مفصلي
بدأ العد التنازلي في الجزائر لواحدة من أكثر المحطات السياسية حساسية في السنوات الأخيرة، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 2 يوليوز 2026.
هذه الانتخابات لا تُقرأ فقط باعتبارها استحقاقًا دستوريًا عاديًا، بل تُطرح اليوم كاختبار حقيقي لمستقبل العلاقة بين الشارع الجزائري والسلطة الحاكمة، وبين فكرة الدولة المدنية واستمرار هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي.
ما يمنح هذه الانتخابات أهمية استثنائية هو إعلان عدد من أحزاب المعارضة المشاركة فيها بعد أن كانت قد قاطعت استحقاقات سابقة، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا داخل الأوساط السياسية بأن ترك الساحة فارغة لم يعد خيارًا مجديًا.
غير أن المشاركة وحدها لا تكفي، لأن السؤال الذي يتردد بقوة داخل الجزائر وخارجها هو: هل ستُجرى هذه الانتخابات في مناخ من الشفافية والنزاهة، أم ستُعاد إنتاج الآليات نفسها التي اتُّهمت مرارًا بالتحكم في صناديق الاقتراع وتوجيه النتائج مسبقًا؟
الجزائريون لا ينسون أن المؤسسة العسكرية ظلت لعقود اللاعب الأكثر تأثيرًا في المشهد السياسي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
ولذلك فإن الحديث عن انتخابات تشريعية حقيقية يظل مرتبطًا بمدى قدرة السلطة على ضمان استقلال الإدارة الانتخابية، وفتح المجال أمام المنافسة السياسية دون ضغوط أو تدخلات أو إقصاء.
الأمر لا يتعلق فقط بعدد المقاعد التي ستُوزَّع داخل البرلمان، بل بطبيعة البرلمان نفسه: هل سيكون مؤسسة تمثل الإرادة الشعبية فعلًا، أم مجرد واجهة تُمنح لها الشرعية عبر صناديق اقتراع فاقدة للثقة لدى جزء واسع من المجتمع؟
كما أن هذه الاستحقاقات تأتي بعد أقل من عامين على إعادة انتخاب عبد المجيد تبون لولاية جديدة، وهي فترة شهدت، بحسب تقارير حقوقية وقراءات سياسية متعددة، استمرار التضييق على حرية التعبير، وملاحقة عدد من النشطاء والصحافيين والمعارضين، إلى جانب تراجع مؤشرات المشاركة السياسية والثقة في المؤسسات المنتخبة.
الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في نسبة المشاركة، بل في قدرة الجزائريين على فرض معادلة جديدة عنوانها: السياسة تُدار من الميدان المدني لا من الثكنات العسكرية، والشرعية تُبنى من الإرادة الشعبية لا من هندسة النتائج.
يبقى السؤال الأكبر الذي سيحسمه يوم 2 يوليوز: هل ستكون هذه الانتخابات بداية انتقال فعلي نحو حياة سياسية أكثر انفتاحًا واحترامًا للحقوق والحريات، أم مجرد محطة أخرى تُضاف إلى سلسلة الاستحقاقات التي تُجرى تحت سقف التحكم نفسه؟
الجزائر تقف أمام لحظة فاصلة، وما سيحدث في هذه الانتخابات لن يحدد شكل البرلمان القادم فقط، بل قد يرسم ملامح المرحلة السياسية بأكملها في بلد ما زال يبحث عن التوازن بين مطلب التغيير وإرث الحكم العسكري الطويل.
وللإشارة، بين آمال التغيير ومخاوف إعادة إنتاج المشهد نفسه، يتجه الجزائريون يوم 2 يوليوز إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في 407 مقاعد برلمانية.
غير أن الرهان الحقيقي لا يتعلق بعدد المقاعد، بل بمدى قدرة هذه الانتخابات على تكريس إرادة الناخب الجزائري وإثبات أن القرار السياسي يصنعه الشعب عبر صناديق الاقتراع، لا مراكز النفوذ خلف الكواليس.