ثقافة الاستقالة والمشهد الغائب د. حازم قشوع

 

ليست الهزائم في كرة القدم مجرد نتيجة تُسجَّل على لوحة،
بل هي مرآة تعكس عمق طريقة تفكيرنا في إدارة الشأن العام. وما جرى مع حارس المنتخب الأردني يزيد أبو ليلى لم يكن حدثًا رياضيًا عابرًا، بل نموذجًا مكثفًا لثقافةٍ تُحمِّل الفرد كامل المسؤولية، في مقابل صمتٍ مريب لمنظومةٍ تمتلك القرار وتتنصل من تبعاته.

حين أخفق المنتخب في العبور إلى الدور التالي، تسارعت أصابع الاتهام نحو الحارس، وكأن المباراة كانت رهينة قفازيه وحدهما، وكأن الأخطاء التكتيكية، والخيارات الفنية، وقرارات الإدارة، جميعها خارج إطار المساءلة. هكذا، وببساطة مقلقة، جرى اختزال الإخفاق في شخص واحد، ليُمنح الآخرون حق الاكتفاء بالمشاهدة من مقاعدهم الوثيرة بلا مساءلة.

غير أن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن المشاركة قرار إداري قبل أن تكون أداءً فرديًا. فالجهات التي تملك صلاحية اختيار التشكيلة، وتقييم الجاهزية، وقراءة الحالة النفسية والبدنية للاعبين، هي ذاتها التي تتحمل مسؤولية الدفع بهذا اللاعب أو ذاك إلى أرض الملعب. وإذا كان يزيد أبو ليلى قد أخطأ، فإن السؤال الأعمق يظل قائمًا: من قرر إشراكه؟ من قيّم جاهزيته؟ ومن تحمّل مسؤولية هذا القرار قبل صافرة البداية؟ إن أخطر ما في هذا المشهد ليس الخسارة بحد ذاتها، بل المنهج الذي يعفي صاحب القرار ويعاقب المنفّذ؛ وهو منهج لا يقتصر على الرياضة، بل يمتد إلى مجمل الحياة العامة، حيث تُلقى الأعباء على الحلقة الأضعف، بينما تبقى مراكز القرار بعيدة عن دائرة النقد والمحاسبة.

في الدول التي تحترم مؤسساتها، لا تُدار الأزمات بردود الفعل، بل بالمراجعة الشاملة. هناك، لا يُسأل الحارس وحده، بل يُسأل المدرب، ويُسأل الاتحاد، وتُفتح دفاتر التقييم على مصراعيها. أما حين يُختزل المشهد في فرد، فنحن لا نبحث عن حل، بل نبحث عن “كبش فداء” نعلّق عليه أخطاءنا الجماعية.

ما جرى مع يزيد أبو ليلى يجب أن يكون نقطة تحوّل، لا في تقييم لاعب بعينه، بل في إعادة تعريف المسؤولية. فالمسؤولية ليست شعارًا يُرفع عند الفوز، بل التزامٌ يُحمَل عند الخسارة قبل غيرها. ومن يملك قرار المشاركة، يملك بالضرورة عبء نتائجها. ولا يبتعد هذا المشهد عمّا يتكرر في ميادين أخرى؛ حيث تُختزل الإخفاقات الكبرى في أشخاصٍ على خطوط التنفيذ، بينما تبقى مراكز القرار التي صاغت السياسات وحددت الخيارات خارج نطاق المساءلة. يُقدَّم الفرد كواجهة للخطأ، وتُحمى المنظومة من النقد، وهو ما يتكرّس نمط يعيد إنتاج الإخفاق بدل معالجته. إنها معادلة تجعل من “المسؤولية” عبئًا فرديًا، لا التزامًا مؤسسيًا، ومن “المحاسبة” أداة انتقائية لا منهجًا شاملًا.

في المحصلة، تبقى كرة القدم لعبة، لكن الدرس الذي تقدمه أكبر بكثير: لا يمكن لمجتمع أن يتقدم إذا استمر في محاسبة الأفراد وتبرئة المنظومات. فإما أن نحمل المشهد كاملًا، أو نظل ندور في الحلقة ذاتها؛ نبدّل الأسماء ونكرر الأخطاء، من دون بناء ثقافة تُسمّى “ثقافة الاستقالة”، التي تُقدّم الاعتذار الضمني للرأي العام بوصفه حقًا، لا منّة.

ورغم الإخفاق، فقد استطاع “النشامى” أن يحققوا ما هو أعمق من نتيجة مباراة؛ إذ وحّدوا الوجدان الأردني في الداخل والخارج، وأسقطوا محاولات التصنيف والانقسام التي سعت إلى التمييز بين أبناء المجتمع بمسمياتٍ (أهالي الأردن وشعب الأردن)، وهي تسميات من المفترض أن يتم محاسبة مطلقيها شكلًا دون النظر فيها موضوعًا، فهي لا تليق أبدًا بهويتنا الأردنية الجامعة، وتفتّ من عضد لحمتنا الوطنية!

لكن النشامى استطاعوا أن يرسموا ابتسامة على محيّا الأردنيين جميعًا، كما على وجه قيادتهم بتعبير “فرحة ملك”، في لقاء الأرجنتين، في صورة جسدت معنى الالتفاف الوطني الحقيقي، حيث حضرت الإرادة السياسية والدعم المؤسسي، وتجلّت المتابعة والمشاركة على أعلى المستويات.

وهذا ما ينبغي أن يشكّل منطلقًا لمرحلة جديدة؛ مرحلة تقوم على مراجعة موضوعية من قبل الاتحاد، وقراءة علمية من الجهازين الإداري والفني لأسباب الإخفاق، بما يفضي إلى إطلاق مشروع متكامل يعيد تقديم “فريق النشامى” بالصورة التي يستحقونها، ويضع المنظومة الكروية في إطارها الاحترافي الصحيح. مشروع يليق بطموح وطن، ويعكس مكانة “مملكة النجمة السباعية”، لا باعتبارها شعارًا، بل رؤية عمل تُترجم إلى إنجاز ووهو ما احاول بيانه فى كتابي القادم الذى يحمل عنوان “وطن النجوم والهندسة السياسية ” .