تلبس ملابس أنيقة وبسيطة، وتنتعل حذاءً خفيفًا، وتمارس رياضة المشي في دائرة معتادة حول الحديقة العامة من الخارج. كانت كل دورة تستغرق عشرين دقيقة تقريبًا، وقد اعتادت أن تعرف الوقت من عدد الدورات التي تقطعها.
أثناء ذلك كانت تستمع إلى الموسيقى التي تبثّها محطة محلية، صوتٌ ينساب في أذنها كما يداعب الهواء شالَها بخفة.
كانت الشمس تنحدر نحو الغروب، تسحب خلفها ظلال المساء ببطء. أما هي فكانت تمشي بانتظار شيء لا تعرفه، تحسب الدقائق على طريقتها الخاصة.
على الرصيف الهادئ، كان الهاتف في أذنها يبثّ بودكاست عن “موكب الكواكب” المنتظر في مساء الخميس 18 يونيو. وصوت المذيع يختلط بحفيف أوراق الأشجار من حولها، فيما تبدو الطبيعة مصغية إلى الشرح، تهمس بتعليقاتها الخاصة.
يقول الصوت إن ما سيُرى ليس اصطفافًا حقيقيًا في الفضاء، بل خدعة منظور هندسي؛ كأن الكون يمدّ خطًا وهميًا تلتقطه العين من الأرض.
علميًا، هي مجرد مدارات منفصلة، كواكب تتحرك كلٌّ في فلكه البعيد، لا تقترب من بعضها إلا في النظر، لا في الحقيقة.
وهذا ما تؤمن به بوصفها فتاةً عصرية تميل إلى العقل، لكنها، ومع ذلك، كانت تنتظر المشهد، ففي الانتظار متعة لا يقاومها التفسير.
يتابع البودكاست حديثه: يظن بعض المنجمين أن اجتماع الكواكب ليس صدفة، بل “تجمّع قوى”، لكل كوكب مزاجه الخاص؛ الزهرة حبّ وفتنة، المريخ غضب وحرب، المشتري سلطة واتساع، وزحل ظلّ ثقيل يشبه التحذير. تتحول في خيال السامعين إلى شخصيات كونية تتحلق في صمت، مترقبةً أمرًا غامضًا.
لم تكن مقتنعة بهذا الكلام.
لكنها رفعت عينيها نحو السماء، حيث بدأ الليل يزحف إليها ببطء، وسألت نفسها: ماذا كان يرى السلف، أولئك الذين سكنوا أرض ربة عمّون قديمًا، حين كانت هذه الكواكب نفسها تصطف فوقهم؟ ماذا كانوا يقرأون في تلك الإشارات، وكيف فسّروا رسائل عشتروت في ضوء السماء؟
حين أظلمت السماء أكثر، أنهت نزهتها، واتجهت نحو فسحة مفتوحة تختارها بعناية، مساحة تسمح لها برؤية أوسع للسماء.
كانت الحديقة خلفها، والشارع أمامها يضجّ بالسيارات. وقفت على الرصيف، ترفع نظرها كأنها مستكشفة لأول مرة. هذا هو القمر، وتلك الزهرة، وذلك المشتري… وابتسمت.
في تلك اللحظة، وبينما كانت تحدّق في الكواكب، سقطت قطرة في عينها اليسرى. شعرت بحرقة مفاجئة، وبجفنٍ يضيق على رؤية بدأت تغشاها طبقة من الغباش.
تردّد في ذهنها سؤال غامض، أقرب إلى خوف طفولي منه إلى يقين:
هل أصابتها لعنة الكواكب؟
فتحت حقيبتها بيدٍ ترتجف، وأخرجت قنينة الماء الباردة التي لم تكن قد أنهتها بعد. مالت برأسها قليلًا إلى الخلف، ثم نحو اليسار، ووجّهت فوهة القنينة بدقة. بدأ الماء يتدفق من جهة الأنف، ينساب فوق مأق العين، ويسيل عبر جفنها الحارق باتجاه صدغها، وهي تحرص كل الحرص على ألا يلامس السائل عينها اليمنى السليمة.
أخذ الماء البارد يغسل جفنها المنقبض، ومع كل قطرة تصيب عينها، كان حديث داخلي يتصاعد بحدة وسط غبش الرؤية:
لعنة الكواكب؟ ما هذا الهراء الذي خطر في بالكِ الآن… الكواكب بعيدة، لا تقترب ولا تُصيب أحدًا.
لكن من أين جاءت هذه القطرة إذن؟
أجهزة التكييف؟ ربما… أو غبار من أعلى البناية، أو رذاذ متطاير… لا أدري.
لا، كل هذا سريع التفسير أكثر من اللازم…
ماذا لو لم تكن شيئًا أصلًا؟
ماذا لو كانت عينكِ هي التي تبالغ الآن؟
رمشتْ بعينها المرتجفة، كأنها تختبر الألم من جديد: الحرقة باقية، والغباش لا يزول.
تبًا… لا يهم السبب الآن. المهم أنني أرى بشكل أسوأ فقط.
أفرغت القنينة حتى آخر قطرة، ثم مسحت محيط عينها برفق بطرف كمّها دون أن تجرؤ على فركها. ضغطت على عينها اليسرى المصابة لتبقيها مغلقة، وفتحت عينها اليمنى لتستدل بها على الطريق. استدارت ونظرت إلى الكواكب، فشعرت بأن القمر لم يعد شكله ثابتًا كما كان، كأن حافته ترتجف قليلًا في عينها اليسرى. أما النقاط اللامعة التي ظنتها الزهرة والمشتري، فقد بدأت تختفي أو تتداخل مع بعضها، ولا تدري: أهي اختفت فعلًا أم أن رؤيتها هي التي لم تعد واضحة. شعرت بالخوف، ومشت بخطوات متسارعة. شبه متهادية، متجهةً نحو بيتها. كان الشارع الصاعد نحو الدوار الثالث يبدو في نظرها مشطورًا إلى نصفين: نصف واهٍ وضبابي تملؤه هواجس الخوف، ونصف آخر واضح يقودها نحو الأمان، بينما لا يزال صدى “موكب الكواكب” يتردد في أذنها يحمل نبرة سخرية غامضة من كون ينظر إليها ببرود.
تعود في اليوم التالي إلى الحديقة كأن شيئًا لم يحدث، لكن العالم لم يعد كما كان في عينيها. لا ضمادة، ولا أثر واضح، فقط ذلك الاحمرار الخفيف الذي يجعل الرؤية أقل يقينًا.
تمشي على الرصيف نفسه، غير أن الخطوات هذه المرة تحمل ترددًا خفيًا، كأن الصورة فقدت ثقتها بنفسها.
ترفع نظرها إلى السماء بحذر وتفكر:
“هل كانت قطرة ماء… أم أنني أنا من بالغ في تفسيرها؟”
تبتسم لفكرة خطرت في بالها: “هل عليّ أن أكنس السماء؟”، ثم تواصل السير.
لا تعرف إن كانت المشكلة في عينها… أم في شيء آخر.
الكواكب موجودة كما كانت، لكنها لم تعد متأكدة أنها تراها.
منذ ذلك اليوم، صارت تنظر إلى السماء بعين واحدة… والأخرى لا تجرؤ على التصديق.
وتتابع المشي، كأنها تنتظر اصطفافًا آخر… لكن هذه المرة، في داخلها.