لا يخلو مجتمعٌ مهما كان نوعه من الخلافات. فالمجتمعات المتحضرة تُقاس بقدرتها على إدارة خلافاتها بالحوار، والعدالة، وسيادة القانون، لا بالعنف، وإزهاق الأرواح. وما تشهده الساحة الأردنية بين الحين، والآخر من جرائم قتل مؤلمة يدعونا ذلك إلى وقفةٍ وطنيةٍ صادقة، نبحث فيها عن الجذور الحقيقية التي تقف وراء هذه الظاهرة، وتسندها، ونضع الحلول الناجعة التي تُعالجها.
إن جرائم القتل الغريبة المتكررة التي نسمع عنها، ونراها هنا وهناك ليست مجرد فعلٍ جنائي يُحال إلى القضاء، بل هي مؤشرٌ على خللٍ في المنظومة القيمية، والتربوية، والاجتماعية، ورسائل إنذار تستوجب مراجعة شاملة لأساليب التنشئة، والتثقيف، وبناء الشخصية. فحين يعجز الإنسان عن إدارة غضبه، أو يقف عاجزًا أمام خلافٍ بسيط، ثم يختار العنف بدل الحوار، فإن المشكلة لا تكون في لحظة الجريمة وحدها، بل في سنواتٍ طويلةٍ غاب فيها وعنها التعليم القائم على القيم، وضعفت فيها مهارات التواصل، وتراجعت فيها ثقافة الاحتواء.
ولا شك أن الضغوط الاقتصادية، والبطالة، والتحديات الاجتماعية، وبعض المحتوى العنيف، والمتطرف في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، قد تُسهم في تأجيج السلوك العدواني، لكنها لا تُبرر مثل هذا النوع من الجرائم. فالمجتمع الذي يمتلك منظومةً قويةً من القيم، والتربية، والحوار يكون أكثر قدرةً على تحويل الأزمات إلى فرص للتفاهم، والفهم، والتواد.
إن المواجهة الحقيقية تبدأ من الأسرة، فهي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل احترام الآخر، وضبط الانفعال، والاستماع قبل إصدار الأحكام. وتأتي المدرسة لتُرسخ هذه القيم عن طريق بيئة تعليمية تُعلي من شأن الحوار، وتُدرب الطلبة على حل النزاعات بالوساطة، والتفاهم، وتُنمّي لديهم الذكاء العاطفي، وإدارة الغضب، وثقافة الاختلاف، والعمل الجماعي.
كما تتحمل الجامعات مسؤولية إعداد شبابٍ يمتلكون الوعي الفكري، والقدرة على النقاش المسؤول، واحترام التعددية، بعيدًا عن التعصب والإقصاء. أما وسائل الإعلام، فهي مطالَبة بأن تكون شريكًا في صناعة الوعي، عن طريق نشر ثقافة التسامح، وتقديم نماذج إيجابية للحوار، والابتعاد عن كل ما يُغذي الكراهية، والعنف.
ولمّا كانت كل قطرة دم تُراق هي خسارة للوطن، وكل روح تُزهق هي جرح في ضمير المجتمع، وكل كلمة حوار صادقة قد تكون سببًا في إنقاذ حياة إنسان، فإن الاستثمار الحقيقي ليس في معالجة آثار العنف، بل في صناعة ثقافة الحوار؛ لأنها الطريق الأقصر إلى الأمن المجتمعي، والاستقرار، والتنمية، وحفظ كرامة الإنسان.
من هنا، فإن الأردن بحاجة إلى استراتيجية وطنية للوقاية من العنف المجتمعي، تقوم على الشراكة بين الأسرة، والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، ودور العبادة، ومؤسسات المجتمع المدني، والأجهزة الرسمية، حيث يصبح الحوار ثقافةً يوميةً، وسلوكًا عامّا، لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات.
كما أن إدماج مهارات الحوار، وحل النزاعات، والتربية على المواطنة، والذكاء الاجتماعي، والتربية الرقمية، في المناهج، والكتب المدرسية وما تتضمنه من أنشطة ومشاريع بحثية، وابتكارية على مستوى التعليم العام، أو التعليم العام العالي، أصبح ضرورةً وطنية.
ولمّأ كان العمل الجاد المخطط له لتنمية الوعي هو خط الدفاع الأول، فإن من الضروري إطلاق حملات وطنية مستدامة، تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتستخدم الإعلام التقليدي، والرقمي، والمساجد، والكنائس، والمدارس، والجامعات، والمنتديات الثقافية؛ لترسيخ ثقافة احترام الحياة، ونبذ العنف، وتعزيز قيم التسامح، فضلاً عن التأكيد على الاحتكام إلى القانون كونه الضامن الحقيقي لحماية الحقوق، وصون المجتمع. مع التأكيد المستمر على أن بناء المجتمعٍ الآمن لا يتحقق بكثرة العقوبات وحدها، بل ببناء الإنسان. فالإنسان الواعي أقل ميلًا إلى العنف، وأكثر قدرةً على الحوار، وأشد إيمانًا بأن الكلمة الحكيمة قد تحقن دمًا، وأن التسامح قد يحفظ أسرةً، وأن القانون هو المرجع الذي يحمي الجميع.
وهنا ينبري منتدى حوار الثقافي الوطني إلى إطلاق مبادرته الأولى التي تركز على جعل الحوار مشروعًا وطنيّا، والتربية على القيم أولويةً كل بيتٍ، ومدرسةٍ، وجامعةٍ، ومؤسسة. وأن الأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، بل تُبنى بالعقول المستنيرة، والضمائر الحية، والثقة المتبادلة، والقدرة على تحويل الخلاف إلى تفاهم، والغضب إلى حكمة، والصراع إلى شراكة.
وعليه، فبالشراكة، والتشبيك مع جميع الجهات ذات العلاقة في القطاعين الرسمي، والأهلي نحقق الأمل بدولة أردنية قوية، منيعة، مزدهرة.