في البدء، لم تكن النكبة قدراً حتمياً لا يرد، بل كانت رصاصة غادرة امتلك أجدادنا شرف محاولة صدّها. لو أن “عملية داني” الصهيونية ارتدّت على أعقابها خائبة عند أسوار اللد والرملة في ذلك الحادي عشر من تموز عام 1948، الموافق للرابع من رمضان الهجري، لتغيّر مجرى الدم في عروق التاريخ الفلسطيني، ولما كُتبت على جدران أجيالنا سطور الشتات.لو دُحرت عصابات “شتيرن” و”الهجاناة” على عتبات المدينة، لظلّ مئات الشهداء الذين ارتقوا في مجزرة مسجد دهمش وأزقة اللد على قيد الحياة؛ لَكبُروا، وتزوّجوا، ونعموا بحياة طبيعية أنجبوا فيها الأبناء والأحفاد، ولَغرسوا في طين البلاد سلالات من الفرح لا مواكب من اللاجئين. لو انكسر الغزاة هناك، لانهار زخم المشروع الصهيوني برمّته في وسط فلسطين، ولحملت القتلةَ حقائبُهم عائدين نحو البحر الذي قذفهم ,و لما كُتبت على جدران جيلنا سطور الشتات، ولَما جفّت حناجر الأمهات والأطفال عطشاً تحت شمس تموز الحارقة في دروب النزوح، يقتلها القيظ والخذلان.
لو حدث ذلك، لما رسم إسماعيل شموط لوحته الفاجعة “إلى أين؟” لتوثيق تيهنا وعطشنا، ولما احتاج إلياس خوري أن ينبش المقابر الجماعية بالكلمات ليكتب “أولاد الغيتو”، ولَما انطلقت شرارة الجبهة الشعبية من قهر حكيمها جورج حبش وهو يرى مدينته تُستباح.
لو نجت اللد، لما احتُلت الضفة وغزة عام 67، ولما عرفنا بؤس مخيم “تل الزعتر”، ولا تجرّعنا مرار الكأس في “صبرا وشاتيلا”، ولَما وصلنا إلى يومنا هذا الذي تقف فيه البشرية متفرجة على حرب الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، كأن غزة اليوم هي ذاتها اللد الكبرى، تُعاد تصفيتها على مرأى من العالم.
اليوم، في الحادي عشر من تموز، لولم تسقط المدينة، لكان هذا النهار يوماً وطنياً نحتفل به منذ الصباح, كنت سأرتدي قنبازي الفضي، وأختار حطتي البيضاء بعناية تليق بوقار البلاد الحرة, كنت سأخرج مطمئناً على بيارة سيدي، متجنباً السير في شارع “الملك فيصل” تحاشياً لازدحام المحتفلين. كنت سأمرّ من داخل البلدة القديمة، وبجوار كنيسة القديس “مار جورجيوس” (الخضر)، لأتوقف عند صديقي “عبدو مسيح” في محله لبيع التذكارات والهدايا للحجاج والزوار. نشرب الشاي المعطر بالريحان، ثم يرافقني لنحيي شهداء ثورة 1936 في مقبرة المدينة؛ نقف بإجلال أمام قبور حافظ صقر، وأسعد الترتير، وعلي أبو دقة، وحنا كركر. نكمّل مشوارنا نحو البيارة، ونعبر من فوق “جسر جنداس” الأثري ومياه الوادي ما زالت تجري تحته حرة، والكل يستعد للاحتفال.
لكن الواقع كان قاصماً؛ سقطت اللد في الثالث عشر من تموز وغرقت بدماء شهداءالمذبحة ، وبدأت رحلة بؤس الشتات تحت أزيز الرصاص وقصف الطائرات الصهيونية التي لاحقت أجساد المتعبين على درب الآلام . خرجت عائلتي مجبرة،لا تحمل معها سوى القهر والفاجعة , تسير في منافي الأرض عبر الجبال الوعرة يقتلها العطش والقيظ ويدفن سِيدي والده عند شجرة زيتون في نعلين ,فلم يرحل والده من شدة العطش قط بل من هول ذل الرحيل والقهر ،يسيروا نحو رام الله أولاً، ثم هبوطاً إلى ملجأ مؤقت في مخيم “عقبة جبر” بأريحا، لينتهي بنا المطاف وتستقر بنا التغريبة في “مخيم الحسين” بالعاصمة الأردنية عمان؛ هذا المخيم الذي صار بمثابة “اللد الصغرى”، يجمع في أزقته المتلاصقة أغلبية من المهجرين الذين قذفتهم المجزرة من ديارهم ليتشاركوا معاً شظف العيش ومرارة الحنين وعذاب اللجوء.
تفرقت أهالي اللد اليوم في جميع القارات، وتحولت البيارات والوديان إلى ذكريات معلقة في مفاتيح العودة. غير أن هذا الـ “لو” التاريخي ليس مجرد بكاء أدبي على أطلال الماضي، بل هو تفكيك للوعي؛الحقد الذي افترس اللد عام 48 هو نفسه الذي يدمي خاصرة غزة اليوم بالابادة الجماعية .
لكن، وإن كان المحتل قد كسب جولات بالحديد والنار والابادة والتهجير، فإن مخيم الحسين، بحكايات أجداده وتماسك أبنائه، يثبت أن الذاكرة عصية على الانكسار، وأن مياه جنداس ستجري يوماً لتروي تراب اللد من جديد .