أُدينت سهام سويد (45 عاماً)، مسؤولة الاتصال الرئيسية لدولة قطر في فرنسا، في يونيو/حزيران الماضي بالسجن عشرة أشهر مع وقف التنفيذ بعد إقرارها بالتورط في قضية إساءة استخدام أصول الشركة. وقد تبدو هذه الإدانة في حد ذاتها خبراً عادياً، لولا أن عدداً من وسائل الإعلام الفرنسية، وفي مقدمتها صحيفتا لوموند ولو بوان، سارعت إلى تبني روايتها والدفاع عنها، معتبرة أن الإمارات العربية المتحدة تقف وراء متاعبها القضائية.
وتعود بداية القضية إلى 10 ديسمبر/كانون الأول 2025، عندما داهم محققون منزل سيهم سويد ومنزل ابنتها، وذلك في إطار تحقيق أولي فتحه الادعاء العام في مدينة إيفري للاشتباه في ارتكابها مخالفات تتعلق بـ”إساءة استخدام أصول الشركة” و”إخفاء عائدات غير مشروعة”.
وجاء فتح التحقيق إثر بلاغ صادر عن وحدة “تراكفين” (Tracfin)، جهاز الاستخبارات المالية ومكافحة غسل الأموال التابع لوزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية، بعدما اشتبهت السلطات في استخدام سويد أموال شركة ELN Group لتغطية نفقات شخصية.
ورغم أن القضية ذات طابع مالي بحت، فإن جزءاً من الصحافة الفرنسية قدّمها على أنها قد تؤدي إلى أزمة دبلوماسية، عبر الترويج لفكرة أن القضاء الفرنسي يخضع لضغوط إماراتية.
وفي 26 يناير/كانون الثاني 2026، نشرت صحيفة لوموند تقريراً بعنوان: “التوترات بين قطر والإمارات: تراكفين في قلب رهانات دبلوماسية خليجية”، منحت فيه مساحة واسعة لسهام سويد لتؤكد أن ما تتعرض له هو نتيجة “نفوذ إماراتي” يستهدف قطر.
وقالت سويد في تصريحاتها للصحيفة: “من المخيف والمؤسف أن تؤدي المناورات التي يقودها أشخاص يعملون بوضوح لصالح عدو لقطر إلى توظيف القضاء بهذه الطريقة.”
وبعد أيام، ذهبت مجلة لو بوان إلى أبعد من ذلك بعنوان لافت: “بلدي تخلى عني… شرطية سابقة تتهم فرنسا بالخضوع للإمارات”، حيث أكدت سويد أن “أسرتها وشركتها وهي شخصياً يتعرضون لحملة قضائية عنيفة هدفها الحقيقي هو استهداف عميلها، دولة قطر.”
دفاع إعلامي بلا أدلة
وقد تبنت هذه المنابر الإعلامية بالكامل رواية سويد من دون تقديم أي دليل يثبت تدخل الإمارات لدى أجهزة القضاء أو لدى وحدة تراكفين، وهو ما يعنبر مساساً باستقلالية القضاء الفرنسي.
وفي 29 يناير، ذهبت صحيفة لا تريبيون إلى الحديث عن “اختراق إماراتي للشبكات المالية والقضائية ومتعددة الأطراف”، ووصفت القضية بأنها “فضيحة دولة”.
أما موقع Mondafrique، فقد نشر في 9 فبراير مقالاً بعنوان: “إصرار الإمارات على استهداف سهام سويد، مسؤولة الاتصال القطرية”، مرفقاً بصورة كبيرة لها وهي تبتسم، واصفاً إياها بأنها “فعالة ودافئة” وتحظى بتقدير سياسيين وصحفيين كثر بفضل الفعاليات التي تنظمها في الدوحة.
مسيرة مهنية مثيرة للجدل
وللتذكير، فإن سهام سويد، المولودة عام 1981 في المنستير بتونس، عملت شرطية قبل أن تُوقف عن العمل إثر نشر كتابها “داخل الشرطة”.
وشغلت لاحقاً منصب المتحدثة باسم السياسي الفرنسي أرنو مونتبورغ، ثم عملت في مكتب وزيرة العدل السابقة كريستيان توبيرا.
وفي عام 2015 أسست شركة العلاقات العامة Édile Consulting (ELN Group)، التي قدمت خدماتها سابقاً لكل من السعودية وأذربيجان، قبل أن تتحول إلى الدفاع عن صورة قطر في فرنسا.
الإدانة القضائية
لكن في يونيو/حزيران 2026، انتهت القضية بإدانة سهام سويد بالسجن عشرة أشهر مع وقف التنفيذ، بينما حُكم على زوجها بثمانية أشهر مع وقف التنفيذ.
كما وافقت، في إطار إجراء الاعتراف المسبق بالتجاوز، على العقوبة التي اقترحها الادعاء العام، ما جنبها المثول أمام المحكمة الجنائية في إيفري.
وشملت العقوبات أيضاً:
غرامة مالية قدرها 30 ألف يورو.
الحرمان من حق الترشح للانتخابات لمدة 30 شهراً.
مصادرة أرصدة مصرفية وأموال نقدية تقارب 148 ألف يورو، إضافة إلى مصادرة مجوهرات.
ورغم ذلك، فان لوموند، التي نشرت تفاصيل الحكم في 17 يونيو 2026، لم تتراجع عن روايتها السابقة التي أوحت بأن الإمارات كانت وراء القضية، رغم أن الحكم القضائي أكد وجود مخالفات مالية اعترفت بها المتهمة نفسها.
التقليل من أهمية الحكم
وقد تجاهلت لا تريبيون في اليوم التالي ذكر إدانة مسؤولة الاتصال القطرية، بينما وصف الباحث سيباستيان بوسوا القضية بأنها “قضية لا تستحق كل هذا الجدل”، معتبراً أن الأمر لا يتجاوز “غرامة بسيطة بقيمة 30 ألف يورو”، مع إعادة التأكيد على اتهام الإمارات بمحاولة التأثير في مراكز القرار الدولية.
أما موقع Mondafrique، فعاد في 24 يونيو لينشر مقالاً بعنوان: “البلاغ ضد سهام سويد… ضجيج كبير بلا نتيجة”، مستخدماً الصورة نفسها لسويد وهي تبتسم.
ووصف مؤسس الموقع نيكولا بو الغرامة بأنها “رمزية”، وواصل انتقاد الإمارات، معتبراً أنها تعتمد على “شبكات نفوذ غامضة واحتياطات مالية ضخمة لفرض حضورها في فرنسا”، في ظل العلاقات الوثيقة التي تجمع رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
ويختتم الكاتب مقاله بالقول إن سهام سويد تبدو قادرة على كسب تعاطف بعض الصحفيين الباحثين عن “الغرابة والقصص المثيرة”، مشيراً إلى أن موقع ميديابارت، المعروف عادة بقربه من المواقف القطرية، اختار هذه المرة عدم التطرق إلى القضية إطلاقاً.