التوجيهي… امتحانٌ لا انتحار بقلم: د. ختام علي محاسنة

 

كل عام، ومع اقتراب امتحان الثانوية العامة، يدخل الأردن موسمًا استثنائيًا. لا لأنه موسم امتحانات فحسب، بل لأنه موسم تتبدل فيه ملامح البيوت، وتعلو فيه درجات القلق، ويصبح الحديث عن “التوجيهي” حديث الشارع والأسرة ووسائل الإعلام، حتى يخيل إلينا أن مستقبل الوطن بأسره معلّق على ورقة امتحان.

لكن السؤال الذي ينبغي أن نتوقف عنده بكل شجاعة هو: **متى تحوّل التوجيهي من امتحان إلى حالة خوف جماعية؟**

ليس الامتحان هو المشكلة، بل الثقافة التي أحطناه بها. ثقافة جعلت من الطالب مشروع علامة، ومن الأسرة رهينة مجموع، ومن المجتمع قاضيًا يصدر أحكامه على مستقبل الشباب من خلال أرقام تُكتب في كشف النتائج.

لقد نجحنا، دون أن نشعر، في صناعة ضغط نفسي هائل يفوق قدرة كثير من الطلبة على الاحتمال. فأصبح بعضهم يخشى الفشل أكثر مما يتطلع إلى النجاح، ويخاف من نظرات الناس أكثر من رهبة الأسئلة، ويعتقد أن تعثره في امتحان يعني نهاية الحلم ونهاية الحياة.

وهنا تكمن الخطورة.

إن الحياة لا تختصرها ساعات امتحان، ولا يمكن أن تُقاس قيمة الإنسان بورقة إجابة. فالنجاح الحقيقي ليس رقمًا يُكتب في شهادة، وإنما إرادة لا تنكسر، وعقل يتعلم من التجارب، وشخصية تعرف كيف تبدأ من جديد كلما تعثرت.

كم من شاب لم يحقق ما أراده في الثانوية العامة، ثم أصبح لاحقًا من أصحاب الإنجازات العلمية والاقتصادية والإنسانية. وكم من متفوق أدرك بعد سنوات أن التفوق الحقيقي لا تمنحه العلامات وحدها، بل يمنحه الإبداع، والعمل، والانضباط، والقدرة على صناعة الفرص.

إننا اليوم بحاجة إلى مراجعة صادقة لخطابنا التربوي والإعلامي. فالأسرة مطالبة بأن تمنح أبناءها الثقة قبل النصائح، وأن تكون سندًا لا مصدرًا للضغط. والمدرسة مطالبة بأن تغرس الطمأنينة قبل المعلومات. والإعلام مطالب بأن يحتفي بقصص النجاح المتنوعة، لا أن يحصر النجاح في قائمة الأوائل فقط.

كما أن وسائل التواصل الاجتماعي، بما تحمله من مقارنات وصور مثالية وضغوط نفسية، أصبحت طرفًا مؤثرًا في تشكيل مشاعر الطلبة، الأمر الذي يفرض علينا جميعًا مسؤولية نشر رسائل الأمل، وتقديم الدعم النفسي، وتعزيز ثقافة أن التعثر ليس هزيمة، وأن إعادة المحاولة ليست عيبًا، بل شجاعة.

ولأن الإنسان أغلى من أي نتيجة، فإن مسؤوليتنا الوطنية والأخلاقية تقتضي أن نعيد للتوجيهي حجمه الطبيعي؛ فهو محطة مهمة، نعم، لكنه ليس المحطة الأخيرة، وليس المعيار الوحيد للنجاح، وليس بوابة الحياة الوحيدة.

إلى أبنائنا وبناتنا طلبة التوجيهي… اجتهدوا كما لم تجتهدوا من قبل، وقدموا أفضل ما لديكم، لكن لا تسمحوا للخوف أن يسرق أحلامكم، ولا تجعلوا نتيجة امتحان واحد تختزل قيمتكم أو مستقبلكم. فالأوطان تُبنى بالعقول الواثقة، لا بالعقول المرهقة، والمستقبل يصنعه من يؤمن بنفسه مهما كانت العثرات.

وفي الختام، تبقى الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل بيت أردني، وإلى كل طالب يجلس خلف مقعد الامتحان:

**التوجيهي امتحان… لا انتحار.**

فاحموا أبناءكم من الخوف قبل أن تطالبوهم بالنجاح، وامنحوهم الأمل قبل أن تسألوهم عن العلامات، لأن الحياة أوسع من امتحان، والإنسان أكبر من نتيجة، والوطن يحتاج إلى شباب يؤمنون بأن لكل مجتهد فرصة، ولكل تعثر بداية جديدة.