سندرين، الأخت التي نسيها الراوي.. سعيد ذياب سليم

أظنك سمعت بقصة سندريلا؛ الفتاة الطيبة الجميلة التي عانت قسوة زوجة أبيها، وأخواتها اللاتي كن يعاملنها كخادمة.
لكنّك ربما لم تسمع بقصة أختها سندرين، التي كانت تعيش معها في البيت نفسه، وتعاني الألوان ذاتها من الشقاء.
تعالَ معي، أُخبرك بقصتهما “الحقيقية”.
بعد وفاة أمهما، تزوج أبوهما بامرأة لم يكن يصدق أن الدهر وهبه فرصة أخرى للحياة. وما إن دخلت البيت حتى شعرت أنها تربّعت على عرش مملكته الفقيرة.
حرّكت قطع الأثاث من أماكنها، وغيّرت تصميم المنزل، وألقت أشياء كثيرة رأت أن قربها منها غير ضروري. ومن تلك الأشياء: سندريلا وسندرين، إذ دفعت بهما إلى غرفة صغيرة ملحقة بالإسطبل، قريبة من حظيرة الماشية وعريشة الطيور.
كانت الفتاتان تتقاسمان الشقاء بين المطبخ والساحة: تنظيف الحظيرة، ووضع العلف والبرسيم أمام الحيوانات والطيور، وإحضار الماء من النبع القريب، وجمع الحطب من الغابة. كانتا تنجزان من العمل ما لا تقوى عليه سرية من الفرسان.
كان ما يميزهما عن بقية الكائنات التي تشاركهما ذلك الملحق، مرآةٌ مكسورة حُشرت في شق بالجدار، وبقايا مشط، وكتابٌ مصور يحكي عن الملاك الصغير.
كانت كل واحدة منهما تخشى النظر إلى المرآة، لكنها ما إن ترى وجهها، وقد لطخه السخام، حتى تمسحه بطرف كمها، وتتشبث بما تبقى فيها من شعور بأنها ما زالت فتاة، لا جزءًا من الإسطبل.
أما الكتاب المصور، الذي كان يمثل صلتهما الوحيدة بعالم البشر، فقد تناولته ذات يوم إحدى الأغنام، وكادت تلتهمه لولا أن سندريلا دخلت على حين غرة، فانتزعته من بين فكيها، ثم ضمته إلى صدرها وأجهشت بالبكاء.
كان الملحق في النهار يغص بروائح الحيوانات، وطنين الذباب، والغبار الذي تثيره الدواب، وريشٍ وشعرٍ تحملهما الريح.
وكان الليل يمثل نهاية رحلة الشقاء اليومية، رغم ما فيه من عزلة؛ إذ كانتا تلقيان بنفسيهما على كومة من القش، وترتجفان متدثرتين برداءٍ رثٍّ لا يقي من لسعة البرد. كانتا تلتصقان ببعضهما، وتنـفخ كل واحدة منهما في كفّيها المضمومتين لتستدفئ. فإذا اشتد برد الليل، ذهبت سندريلا إلى الحصان، والتصقت بجنبه، تهمس له بشكواها، وتلوذ بدفء أنفاسه.
أما سندرين، وقد أنهكها تعب النهار، فكانت تكتفي بالالتفاف على نفسها، لا تكاد تكف عن الارتجاف حتى يغلبها النعاس.
غير أنها كانت تخبئ بقايا شمعة أنقذتها ذات مرة من بين المهملات، وتشعلها في ليالٍ نادرة لتصفح كتابها وتحلم. وفي إحدى تلك الليالي، لمحت زوجة الأب من نافذة المطبخ ضوءًا خافتًا يتسلل من شقوق الإسطبل، فصرخت: «سندريلا! سندرين! ماذا هناك؟ أتشعلان نارًا في الإسطبل؟»
أطفأت سندرين الشمعة بكفها على عجل، ثم خرجت من الملحق، تتجه نحو زوجة أبيها لتكشف سرَّها الصغير.
لكن زوجة الأب انتزعت الشمعة من يدها، وألقتها في جوف الموقد.
ولم يحرق كفَّ سندرين لهبُ الشمعة بقدر ما أحرق قلبَها وهي ترى آخر نافذة كانت تطل منها على أحلامها تتحول إلى رماد.
وفي الوقت الذي كان هواء الليل يحمل إليهما روائح الكعك الطازج، وضحكات العائلة الملتفة حول الموقد، كانت تلك النسمات نفسها تتسلل إلى الملحق، لتذكرهما بعالم من الدفء والفرح، لا يفصلانه عن ذلك العالم سوى جدار، وخطوات قليلة.
كانتا كأي فتاتين تحلمان بالحب، وبكوخٍ صغير في عمق الغابة قرب النهر، لا يصل إليه الشقاء. وكان ذلك “الملاك الصغير” الذي في الكتاب يبدو لهما كأنه وعدٌ بعيد.
لكن لم يكن الملاك الصغير هو من حقق لهما ذلك، بل زوجة الأب.
في أحد الأيام، حضر تاجر الحبوب، الشيخ الذي يأتي بما يحتاجه المنزل من الدقيق. وقد أذهلته رؤية سندريلا وهي تساعده في ترتيب المؤن وتخزينها. لاحظت زوجة الأب ذلك، فابتسمت في داخلها، وبدأت تفكر في صفقة جديدة: لماذا لا يكون هذا التاجر عريسًا للفتاة… وصديقًا ثريًا للعائلة؟
في اليوم التالي، عاد التاجر ومعه هدايا كثيرة، يخفي بها سنّه الحقيقي عن العيون. وما إن جلس حتى سأل عن سندريلا، وعن استعدادهما لتزويجها له. فوعدته زوجة الأب خيرًا.
وفي المساء عاد الزوج من عمله، أعدّت له زوجته العشاء، وبعد أن أكل وشرب وارتخت عضلاته، بدأت حديثها معه كأمٍّ حنون تحرص على مصلحة “ابنته” سندريلا، التي هي في عمر الورد، وأن هذا التاجر فرصة قد ترفعها إلى حياة أفضل. ثم راحت تقنع زوجها بهدوء، حتى ليّنت موقفه، وجرّته إلى قبول الفكرة.
وهكذا تم الأمر؛ لم يكن فيه سحر، بل صفقة عائلية أخرجت سندريلا من الإسطبل إلى القصر، وكان الثمن طفولتها الصغيرة.
وخلف أسوار القصر العالية، لم تتعلم فقط كيف تعيش، بل كيف تعقد الصفقات، وتحيك الخطط، وتطرّزها بصبرٍ بارد، كما تُطرّز بخيط الحرير زخارف دقيقة على ثوبٍ من المخمل.
اتسع الملحق قليلًا بعد أن خرجت منه سندريلا، وصهل الحصان بصوتٍ حزين، وعاد الليل أكثر سوادًا وكآبة على قلب سندرين. تناولت كتابها، وهمست: أيها الملاك الصغير، أخرجني من هذا الكرب.
أصبحت سندرين خادمة المنزل الوحيدة، وكان الليل يمنحها فسحة صغيرة لتعيش حلمًا لا تقوى عليه عواصف النهار.
يبحث الرجل — في العادة — عن امرأة قوية تشاركه مواجهة الزمن، وأحيانًا عن امرأة ضعيفة يرى فيها نفسه فارسًا أقوى. ترى، هل كان هذا ما حدث مع سندرين؟
كان لأحد الجيران ابنٌ قليل الحيلة، ضعيف الهمة، لا يجرؤ على مواجهة الحياة وحده. خشي والده أن تبتلعه الأيام، فرأى أن يزوجه فتاة تصلح شأنه، وتكون عكازه إذا أثقله الطريق. فمن يرضى به غير سندرين؟
اجتهد الجار في طلب القرب من أبيها، وزيّن في عينه حال الفتى، الذي لم يكن يعرف من الدنيا إلا القليل.
وانتقلت سندرين إلى بيت زوجها. لم يكن قصرًا، لكنه لم يكن كالإسطبل أيضًا.
غادرت الملحق، وتركت خلفها كتاب الملاك الصغير. ولم يدرِ أحدٌ إن كان الملاك قد غادر الكتاب، أم أنه لم يكن فيه منذ البداية.