عندما تصبح المكابرة نهجًا..ا د كامل محادين

ليست المشكلة في أن يخطئ مسؤول أو شخصية عامة؛ فالخطأ جزء من الطبيعة البشرية. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الخطأ إلى نهج، والمراجعة إلى تبرير، والاعتذار إلى غياب كامل. عندها يصبح الصمت أخطر من التصريح، والمكابرة أشد ضررًا من الخطأ نفسه.
حين تتكرر التصريحات التي تثير غضب
الأردنيين، لا يعود مقبولًا التعامل معها باعتبارها مجرد زلات لسان. فالكلمة الصادرة عن شخصية شغلت مواقع المسؤولية ليست رأيًا عابرًا يُقال في مجلس خاص، بل رسالة تُقرأ في الداخل والخارج، ويُبنى عليها انطباع عن الوطن وتاريخه ومكانته.
ما يثير الاستغراب ليس الجدل الذي يرافق هذه التصريحات، بل الإصرار على الالتفاف حولها بدل مواجهتها بوضوح. فكلما احتج الناس، جاء التبرير بأن المقصود شيء آخر، أو أن الجمهور أساء الفهم. لكن السؤال يبقى: إذا كانت التصريحات تُفهم على نحو يثير هذا القدر من الاستياء مرة بعد أخرى، فهل المشكلة في الناس، أم في طريقة طرحها؟
الأردنيون لا يدافعون عن رواية عابرة، بل عن وطن دفع أثمانًا باهظة ليبقى قويًا ومستقرًا. لذلك فإن أي حديث يمس رمزية الدولة أو تاريخها أو مكانتها لا يُقاس بمنطق الاجتهاد الشخصي، بل بمنطق المسؤولية الوطنية.
لا أحد يطالب بمصادرة الآراء، لكن من يتصدر المشهد العام مطالب بأن يزن كلماته قبل أن ينطق بها، لا بعد أن تتحول إلى أزمة. فالمراجعة بعد الغضب ليست فضيلة إذا جاءت فقط تحت ضغط الرأي العام، والاعتذار لا ينتقص من قيمة صاحبه، بينما الإصرار على المكابرة يستهلك ما تبقى من رصيد الثقة.
يبقى الأردن أكبر من الأشخاص، وأبقى من
المناصب، وأرسخ من التصريحات. وستظل قيمة المسؤول تُقاس بقدرته على احترام وعي الناس، وتحمل مسؤولية كلمته، لا بقدرته على الدفاع عنها مهما كانت نتائجها.
في النهاية، ليست القضية شخصًا بعينه، بل مبدأ لا ينبغي التهاون فيه: لا أحد أكبر من الوطن، ولا كلمة يجب أن تعلو على كرامته.