لم تعد الأحداث المتفرقة في الإقليم تُقرأ بوصفها وقائع معزولة، بل باتت تشكّل حلقات في سلسلة مترابطة من الرسائل السياسية والعسكرية. وفي هذا السياق، يمكن فهم سلوك نتنياهو وهو يقوم بزيارته الثامنه للرئيس ترامب وهو ما يزال يسعى خلالها لاستكمال مسار حروبه ذات الامتداد الأميركي، عبر توظيف كل حادثة ميدانية في سياق أوسع من إعادة
رسم معادلات الردع.
فحادثة حرائق الأمونيا في سديروت، على تخوم قطاع غزة،
لم تُقدَّم كواقعة أمنية عابرة، بل جرى توظيفها كرسالة اتهام مباشرة لإيران، في محاولة لربطها بسلسلة من “معارك الظل” التي تتصاعد في الإقليم. هذه المعارك، التي تُدار عبر الوكلاء، من الميليشيات في العراق إلى منصات الحوثيين، لم تعد مجرد أدوات ضغط تكتيكي، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية إيرانية أشمل لإعادة توزيع النفوذ الإقليمي دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة على الرغم من سماح نتنياهو لقوات دوليه محدودة لدخول غزه استجابه لطلب الرئيس ترامب ورفضه للانسحاب فى المقابل من سوريا ولبنان …
وكذلك ووقف الة التصعيد فى الضفه على رغم من رسالة التحذير التى وصلت للرئيس ترامب بصيغه بيان تهيب بوقف عمليات الاسرله التى تتم بالضفه من قبل ضباط امنيين وعسكريين اسرائيلين عندما بينت مخبة الانزلاق باوضاف الضفه الى منزلقات خطيره هذا اضافه لتحفظات نتنياهو على مسالة الملف النووى السعودي الامر الذى جعل من سياسة نتنياهو طور الاستفهام واثارت حفيظه ترامب كونها باتت تخرج عن السياق العام هو ما جعل نتنياهو يطلب هذا اللقاء ..!
وفي المقابل لم يكن المشهد في واشنطن منفصلًا عن هذا السياق. فطريقة استقبال نتنياهو في البيت الأبيض على مزامير استر وعلى يد القسيس غراهام واصفا ترامب المرسل من الرب لنصره اليهود على الفرس كما فعل استر من قبل وهى الحادثه التى صورت مشهد رمزي ديني لافت عندما حملت أبعادًا تتجاوز البروتوكول السياسي، لتلامس خطابًا تعبويًا يعيد استحضار التاريخ الديني في خدمة الصراع الجيوسياسي. وهنا تتداخل الرمزية مع الاستراتيجية حيث تُستخدم السرديات الدينية لتبرير خيارات سياسية قد تكون المنطقة على أعتابها.
غير أن جوهر المسألة لا يكمن فقط في تبادل الرسائل بين تل أبيب وطهران، بل في كيفية تموضع القوى الإقليمية والدولية داخل هذا المشهد المعقد. فالسعودية ودول الخليج لم تعد مجرد ساحات لتلقي الضغوط، بل تحولت إلى لاعبين فاعلين يسعون لإعادة تعريف قواعد الاشتباك كما يعفل الاردن بشكل نوغي مغاير مرسلا رسائل عسكرية ضمنيه واخرى مدنيه احترازيه يؤكد عبرها اهليته واستعداده .
لقد تبنت هذه الدول مقاربة تقوم على “التوازن الاستراتيجي المركب”: فمن جهة، تحافظ على شراكتها الأمنية العميقة مع الولايات المتحدة، بوصفها الضامن التقليدي للأمن الإقليمي؛ ومن جهة أخرى، تنفتح على الصين كقوة اقتصادية صاعدة، قادرة على توفير مظلة استقرار مختلفة، قائمة على المصالح
لا على التحالفات العسكرية الصلبة.
هذا التوازن يعكس إدراكًا مز المشرق العربي “الاردن ودول الخليج ” لتحول النظام الدولي من أحادية قطبية إلى تعددية مرنة، حيث لم يعد ممكنًا الرهان على طرف واحد. وفي هذا الإطار، تصبح معارك الظل جزءًا من اختبار مستمر لهذا التوازن فكل تصعيد إيراني عبر الوكلاء يضع الاردن ودول الخليج أمام معادلة دقيقة بين الردع والاحتواء، وبين التصعيد والتهدئة.
أما الولايات المتحدة، فتبدو حريصة على إدارة هذا التوتر لا حسمه. فهي تدرك أن انفجار مواجهة شاملة قد يهدد مصالحها الاستراتيجية، لكنها في الوقت ذاته لا تريد أن تترك فراغًا تملؤه قوى أخرى، وعلى رأسها الصين. لذلك، تعمل واشنطن على ضبط إيقاع الصراع، بحيث يبقى ضمن حدود يمكن التحكم بها، دون أن يتجاوزها إلى حرب مفتوحة.
في ذات السياق تتحرك الصين وفق مقاربة مختلفة تمامًا
فهي لا تدخل الصراع من بوابة الأمن، بل من بوابة الاقتصاد والطاقة. ومن خلال علاقاتها المتنامية مع الخليج وإيران
على حد سواء، تسعى بكين إلى ترسيخ دورها كقوة ضامنة للاستقرار الاقتصادي، لا كطرف في النزاعات. وهذا ما يمنحها هامش حركة أوسع، لكنه في الوقت ذاته يضعها أمام اختبار صعب إذا ما خرجت الأوضاع عن السيطرة.
وضمن هذا التشابك، تبدو معارك الظل وكأنها الأداة المثلى لإدارة الصراع دون حسمه ولا تقف حدودها فى حدود ساحة المناوره بل تمتد من تونس الى مصر وفق نماذج استخباريه اخرى فهي تسمح لكل طرف بإيصال رسائله، واختبار حدود خصومه، دون تحمل كلفة الحرب الشاملة. لكنها في الوقت ذاته تحمل في طياتها خطر الانزلاق غير المحسوب حيث يمكن لأي خطأ في التقدير أن يحول الاشتباك المحدود إلى مواجهة واسعة.
وفي ضوء ما سبق، لا يمكن قراءة مستقبل المنطقة إلا من خلال تفاعل ثلاثة مسارات رئيسية، تتقاطع فيما بينها وتعيد إنتاج المشهد بشكل ديناميكي فيه يبرز الفاعل والمفعول بتقدير مستتر وهذا ما يجعله يحمل سيناريوهات متعددة الاوجه فهو .
أولًا، يقوم على مسار التصعيد المحسوب، حيث تستمر معارك الظل في التصاعد، مع انتقالها أحيانًا إلى مواجهات موضعية محدودة. في هذا السيناريو، تسعى إسرائيل إلى توجيه ضربات نوعية لإعادة ترسيخ الردع، بينما تواصل إيران استخدام وكلائها لإبقاء الضغط قائمًا. وتبقى الولايات المتحدة في موقع “المنظم” الذي يمنع الانفجار الكبير، دون أن يوقف الاشتباك.
واما فى المقام الثاني فانه يتجه تجاه مسار الاحتواء الاستراتيجي، الذي تقوم دول المشرق العربي ، بدور محوري في خفض التصعيد، عبر توظيف علاقاتها المتوازنة مع واشنطن وبكين. في هذا المسار، تصبح الدبلوماسية الوقائية أداة أساسية، ويتم احتواء التوترات ضمن حدود “الاستقرار الهش الذي لا يلغي الصراع لكنه يمنع تحوله إلى حرب.
واما فى البعد الثالثً فهو يذهب تجاه مسار إعادة التشكيل الإقليمي، وهو الأكثر تعقيدًا والأقل احتمالًا على المدى القصير، لكنه الأكثر تأثيرًا. يقوم هذا السيناريو على إمكانية التوصل
إلى تفاهمات كبرى تشمل الملف النووي الإيراني، وأمن المشرق العربي ودور القوى الدولية في المنطقة. وفي هذه الحالة، تتحول معارك الظل من أدوات صراع إلى أوراق تفاوض، ويعاد دمج إيران ضمن منظومة إقليمية بشروط جديدة.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد صراع بين أطراف متنافسة،
بل هو عملية إعادة تشكيل عميقة لميزان القوى في الشرق الأوسط. فمعارك الظل، ورسائل البيت الأبيض، وتحركات دول المشرق، ودخول الصين على خط التوازنات، كلها مؤشرات على أن المنطقة تعيش مرحلة انتقالية بين نظامين: نظام قديم قائم على الهيمنة الأحادية، ونظام جديد يتشكل على قاعدة تعددية الأقطاب.
وفي هذه المرحلة، لا يكون السؤال هل ستقع الحرب؟ بل كيف ستُدار التحولات؟ ومن سينجح في إعادة تعريف قواعد اللعبة؟ ومن هو موجود فى داخلها ويحمل شرعية الاهلية …!؟ وبينما تتقاطع المصالح وتتصادم الإرادات، يبقى الاحتمال الأكثر واقعية هو استمرار هذا “التوتر المنضبط”، حيث لا حرب شاملة ولا سلام نهائي، بل صراع مفتوح يُعاد إنتاجه بأدوات جديدة، في انتظار لحظة حاسمة قد تعيد رسم خريطة الإقليم بأكمله وهذا ما يبرز سؤال عريض يقوم على شكل الانظمه القادمه وطبيعة ادوارها ..!