1200 ساعة عمل و600 ألف قطعة فسيفساء… عماد السنوسي يهدي طرابلس واحدة من أكبر الجداريات الفنية في ليبيا

 

طرابلس – بعد أربعة أشهر متواصلة من العمل الدؤوب، يقترب الفنان التشكيلي الليبي عماد محمد السنوسي من وضع اللمسات الأخيرة على واحدة من أضخم الجداريات الفسيفسائية في ليبيا، وهي عمل فني يمتد على مساحة 55 متراً مربعاً موزعة على ثلاثة طوابق، ليشكل معلماً بصرياً جديداً في شارع 11 يوليو بالعاصمة طرابلس.

ولا تختزل الجدارية في أبعادها الهندسية فحسب، بل في الأرقام التي تقف خلف إنجازها؛ إذ استغرقت نحو 1200 ساعة عمل، واستخدم في تنفيذها ما يقارب 600 ألف قطعة من السيراميك والفسيفساء، في مشروع يعد الثاني من نوعه للفنان من حيث الإنجاز، والأكبر من حيث الحجم والتفاصيل.

ويشارك في إنجاز العمل الفنانان عثمان حمود وعبدالسلام كريم، فيما حظي المشروع بدعم السيد رضا القراضي ومؤسسة «القراضي»، إحدى المؤسسات الليبية الرائدة في مجال السيراميك والبورسلين والمواد الصحية، في تجربة تعكس تلاقي القطاع الخاص مع المبادرات الثقافية والفنية الهادفة إلى تجميل الفضاء العام.

رحلة بصرية من البحر إلى السماء

تحمل الجدارية رؤية فنية تستلهم الطبيعة الليبية في تناغمها وتنوعها، حيث تنقسم إلى ثلاثة مشاهد مترابطة تشكل رحلة بصرية متصاعدة.

في الطابق الأول، تتجسد الحياة البحرية في لوحة تعج بالكائنات والأسماك وسط تدرجات اللون الأزرق، بينما ينتقل المشهد في الطابق الثاني إلى اليابسة، حيث تتداخل الطبيعة مع مشهد الغروب على البحر، ويبرز قوس ماركوس أوريليوس، أحد أقدم وأشهر المعالم التاريخية في طرابلس، في إشارة إلى عمق الهوية الليبية وامتدادها الحضاري.

أما الطابق الثالث، فيفتح المشهد على السماء، حيث تحلق الطيور في فضاء واسع، في رمزية للحرية والسلام والأمل، لتكتمل بذلك ثلاثية البحر والأرض والسماء في عمل واحد.

الفن بوصفه ذاكرة للمدينة

يرى السنوسي أن الجداريات ليست مجرد عناصر زخرفية، بل لغة حضارية تمنح المدن هويتها البصرية، وتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان. ومن هذا المنطلق، صُممت الجدارية لتكون جزءاً من الذاكرة الجماعية لطرابلس، بحيث يتحول الجدار إلى مساحة تحكي قصة المكان وتاريخه وجماله.

ويستند هذا المشروع إلى تجربة فنية طويلة للفنان، الذي بدأ رحلته بالرسم منذ طفولته في مدينة هون، قبل أن تصقل طرابلس موهبته وتوسع آفاقه البصرية. ورغم دراسته الهندسة المدنية، ظل الفن محور مسيرته، مستفيداً من الخلفية الهندسية في بناء التكوينات وتحقيق التوازن والمنظور داخل أعماله.

كما أسهمت إقامته في تونس في تطوير تجربته، من خلال المشاركة في المعارض والورش الفنية، قبل أن يحمل أعماله إلى عدد من الدول العربية والإقليمية، من بينها الأردن والإمارات وتونس وتركيا والجزائر، حيث نال جوائز وشهادات تقدير عززت حضوره في المشهد التشكيلي العربي.

رسالة امتنان… واستعداد للمشروع القادم

ومع اقتراب اكتمال المشروع، وجّه الفنان عماد السنوسي رسالة شكر إلى كل من أسهم في إنجازه، مؤكداً أن هذا العمل ما كان ليرى النور لولا تضافر جهود فريق العمل والداعمين وكل من قدم المساندة، حتى ولو بكلمة طيبة.

وقال السنوسي إن انتهاء هذه الجدارية لا يمثل نهاية رحلة، بل بداية لمشروع فني جديد، معرباً عن تطلعه إلى مواصلة تحويل الجدران إلى فضاءات تنبض بالفن والجمال، وتترك للأجيال القادمة شاهداً على أن الإبداع قادر على مقاومة الزمن، وأن المدن التي تحتضن الفن تكتب تاريخها بالألوان كما تكتبه بالحجر.