زرقاء اليمامة هي بنت الجزيرة التي كانت ترى على مرمى أيام، وهي من إقليم اليمامة الخصبة، كونه منطقةً وسطى ومحورية بين الشمال والجنوب، ما جعله مكانًا للصراع كما هو مكانٌ للقاء. وهذا ما جعل من زرقاء اليمامة، التي اسمها الحقيقي عنزة بنت لقمان بنت عاد، ذات العيون الحادة الزرقاء، تعيش وسط أجواء مضطربة، الأمر الذي جعلها تخرج إلى البرج لترى الأعداء قبل غزوتهم بأيام، لتشكيل جملة الاحتراز. وكانت تطلع إلى البرج في الأيام العادية لتحقق غايات الاستعداد للوافدين عند قدومهم، فتعلم بقدومهم من على بعد مئات الأميال.
وهذا ما جعل صيتها واسعًا لدرجة كبيرة، حتى أُخذ يُضرب بها المثل من شدة حدة البصر، حيث كانت تعمل كالرادار في زمننا هذا. لكن زرقاء اليمامة كانت تمتلك بصرًا وبصيرة، غير أن ذلك لم يشفع لها في اتخاذ قرارٍ احترازي يقي أهل اليمامة من عدو كانت تراه وتنبه إليه؛ لكن “بيت القرار” كان له حسابات أخرى نتيجة انشغاله بحياته وقضاياه اليومية، حتى اقترب الخطر واستُبيحت اليمامة، وقُتلت الزرقاء في هذه الحادثة التي بقي الجميع يتداولها إلى يومنا هذا، على الرغم من حدوثها في عصر العرب العاربة…
فلم تكن زرقاء اليمامة مجرد شخصية تُروى في كتب التراث، بل تمثل نموذجًا مبكرًا لإشكالية ما تزال تتكرر في عالمنا المعاصر؛ إشكالية تقوم على الفجوة بين الرؤية وصناعة القرار. فالزرقاء كانت ابنة إقليم محوري يُسمى اليمامة، كان يشكّل نقطة تماس بين مسارات الشمال والجنوب، كما هو حال العديد من أقاليم الشرق الأوسط اليوم، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك خطوط التأثير في أبعادٍ أخرى…
ولقد امتلكت زرقاء اليمامة ما يمكن وصفه اليوم بـ”القدرة الاستخبارية الاستشرافية”، إذ كانت ترى الخطر قبل وقوعه، وتقدّم إنذارًا مبكرًا لقومها. غير أن هذه القدرة، على أهميتها، لم تُترجم إلى فعلٍ سياسي أو إجراءٍ احترازي، لأن “بيت القرار”
لم يكن مهيأً لاستيعاب الرؤية أو تحويلها إلى سياسة. وهنا تكمن العقدة التي تتكرر في بيئة الإقليم المعاصر ففي الشرق الأوسط اليوم، لا تعاني الدول من نقصٍ في المعلومات أو
غيابٍ في الرصد، بل إن مراكز الدراسات، وأجهزة الاستشعار الاستراتيجي، وشبكات التحليل السياسي، باتت تُنتج كمًا هائلًا من المعطيات. لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في هندسة القرار؛ أي في كيفية تحويل هذه المعطيات إلى سياساتٍ استباقية قادرة على إدارة المخاطر قبل تحولها إلى أزمات.
أما ما تستشرفه بصيرة زرقاء اليمامة، كما تلتقطه قراءات عدد من المتابعين بعد ظهور ذات الاجسام الغريبه “فضائية UFO” التى ظهرت فوق سوريه والعراق وغزة وفنزويلا فى السابق فى سماء الخليج وهذا يعنى دخول دوامه العنف للخليج مما سيؤدى لفوضى ديموغرافية عبر موجات الهجرة التي طالما ارتبطت بالساحة الفلسطينية قد تتخذ مسارات جديدة، لتطال فضاءات الخليج بضفتيه مع تصاعد وتيرة الاشتباك بين ضفتي الخليج العربية والفارسية، والتي بدأت تأخذ منحى أكثر انخراطًا عبر الضربات الجوية المشتركه وترابط غرف العمليات الاقليمية التى احذت تتخذ من سيف سيدنا على ذوالفقار
عنونا لها وفق برامج العمليات العسكريه الخاصه ..!
وتشير التقديرات إلى أن هذه المواجهات مرشحة للتحول إلى أنماط عسكرية أكثر تعقيدًا، لا سيما إذا ما جرى الدفع نحو إعادة تشكيل الواقع العراقي، بنقله من تموضعه ضمن المجال الإيراني إلى فضائه العربي. وفي حال إسقاط النموذج السوري على الحالة العراقية، فإن المنطقة قد تكون أمام تحولات عميقة تمس بنية النفوذ الإقليمي، وتعيد رسم خرائط التأثير والتوازن.
إن مثل هذا السيناريو لا يقف عند حدود التغيير السياسي أو العسكري فحسب، بل يمتد ليطال البعد الديمغرافي، حيث يُخشى أن تنتقل موجات التهجير التي عصفت بسوريا ولبنان وفلسطين، لتطرق أبواب الخليج العربي، الذي بات بدوره جزءًا من معادلة الاستهداف. وهو ما يضع دوله أمام تحديات مركبة، تتصل بالأمن والاستقرار، وبإدارة تداعيات التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.
إن ما نشهده في الإقليم من أزماتٍ متلاحقة، سواء في ساحات الصراع المفتوح، أو في دوائر التنافس الجيوسياسي، أو حتى في أزمات الاقتصاد والطاقة، يعكس خللًا في بنية اتخاذ القرار، لا في أدوات الرؤية. فكم من تحذيراتٍ أُطلقت، وكم من سيناريوهاتٍ رُسمت، لكنها لم تجد طريقها إلى التنفيذ، إما بسبب تضارب المصالح، أو هيمنة الحسابات الضيقة، أو غياب الرؤية التكاملية داخل مؤسسات الدولة.
وهنا تتجلى أهمية الانتقال من “امتلاك الرؤية” إلى “هندسة القرار”. فالهندسة السياسية، كما طرحتُها في كتابي، لا تقوم على رد الفعل، بل على بناء منظومةٍ متكاملة تُعيد ترتيب العلاقة بين المعلومة والقرار، بين التحليل والتنفيذ، وبين الاستشراف والإجراء. إنها عملية ضبطٍ لمعادلة القوة داخل الدولة، بحيث لا تبقى الرؤية حبيسة التقارير، بل تتحول إلى سياساتٍ فاعلة ينتقل أثرها من علوم التجريد إلى أقلام التجسيد.
إن زرقاء اليمامة، في هذا السياق، ليست مجرد رمزٍ للبصر الحاد، بل هي تمثيلٌ لحالةٍ مكتملة الأركان: رؤيةٌ واضحة، وتحذيرٌ مبكر، لكن دون قرارٍ حاسم. وهذا هو الخطر بعينه في بيئةٍ إقليميةٍ تتسم بالتسارع، حيث لا تمنح الأزمات وقتًا طويلًا للتردد أو التراخي..
وعليه، فإن التحدي الذي تواجهه دول الإقليم اليوم لا يكمن
في اكتشاف المخاطر، بل في بناء منظومة قرارٍ قادرة على الاستجابة لها. فالدولة التي تنجح في هندسة قرارها تستطيع أن تحول التهديد إلى فرصة، وأن تدير التوازنات المعقدة بمرونةٍ وفاعلية. أما تلك التي تبقى أسيرة التردد أو التشتت، فإنها تُعيد إنتاج مأساة اليمامة، حيث تُرى الأخطار بوضوح، لكنها تُترك حتى تقع. وهنا يمكن تقديم التجربة الأردنية في ريادة سياسية الأعمال وآليات عملها باعتبارها نموذجًا استطاع حفظ حالة الأمان، ويمكن الرهان عليه في تقديم “وطن النجوم” عبر برنامج الهندسة السياسية، الذي يقوم على إظهار أعمدة التنمية والنماء في إطار رسالة البناء الوطني، من خلال الاهتمام بالكفاءات والنخب….
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف “بيت القرار” ليصبح مؤسسةً ديناميكية، قادرة على التفاعل مع المعطيات،
لا مجرد إطارٍ بيروقراطي يعيد إنتاج ذاته بصورة نمطية. فمن هنا تبدأ منطلقات التنمية ومنهجية الاستدامة، لاسيما أن هندسة القرار تتطلب تكاملًا بيّنًا بين السياسي والاقتصادي والأمني ضمن نماذج متكاملة تستند إلى رؤية وطنية شاملة،
ما يجعلها لا تقوم على ردة الفعل حسب الحالة المطلوبة، بل تستفيد من حالة الأمان المتوفرة لتقديم استراتيجية عمل واعدة قائمة على الرؤية المستشرفة في تحقيق التنمية والاستدامة، وتستند إلى الاستشراف في تحقيق الأهداف…
وذلك عبر الاستفادة من المتغيرات الموضوعية السائدة، ما يجعلها تبتعد عن سياسة رد الفعل الضاغطة، حتى يصبح حالنا “أبصر من زرقاء اليمامة” و”أحكم في اتخاذ القرار وتوظيف حلقاته ..ففي عالم اليوم، لا يكفي أن ترى، بل الأهم أن تُحسن بناء الفعل في الوقت المناسب… وهذا ما نطمح إليه ليكون جاهزًا للإقلاع عند بيان الإشارة.