الضفة الغربية المحتلة…قراءة من زاوية عين التصفية التوراتية الحمِئة. د. محمد العزة

 

خلال السنوات الثلاث التي أعقبت احداث السابع من أكتوبر 2023، وما رافقها من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بدعم أمريكي، شهدت دمارا وقتلا واسعا لحد الابادة الجماعية ، فشلت في اقتلاع الفلسطيني من أرضه ، كنت قد كتبت عددا من المقالات تناولت فيها التداعيات المحتملة ، لنقل تكهنات لهذه المرحلة على مستقبل القضية الفلسطينية والمنطقة.
ما طرحته فيها أننا قد نكون مقبلين، بعد استقرار ملامح مخطط الهندسة الجيوسياسية للمنطقة في إطار ما يُعرف بـ”الشرق الأوسط الجديد”، على مرحلة جديدة من المفاوضات السياسية، قد تأتي تحت عنوان مؤتمر دولي أو اتفاق تهدئة برعاية أمريكية، تطرح تصورات وشروط تسوية تنسجم مع الرؤية الأمريكية بالتنسيق إسرائيليا لمستقبل المنطقة وما يخدم مصالحهما.
وربما نشهد ما يمكن وصفه بـ”أوسلو 2″، في ظل مابعد أعادة الهيكلة القيادية الحالية و المتغيرات الممكن أن تطال بنية السلطة الفلسطينية بعدها.

أردنيا هو الأهم ، الضرورة تحتم تأكيد الثقة في ما اعتدنا من نهج عقل الدولة في الاستعداد المبكر لاي مستجد أو سيناريوهات تفرض إعداد الأوراق السياسية والاستراتيجية اللازمة، وتحديد المصالح الوطنية الأردنية بوضوح، والحفاظ على القرار الوطني مستقلا داخل اي مسارات تفاوضية محتملة لربما تكون وادي عربة 2 ، خاصة أن هناك ملفات عالقة مع الكيان بحاجة إلى معالجة ، مثل قضايا الحدود و الأغوار واللاجئين وغيرها، على أن لا يتم ذلك بمعزل عن التنسيق مع القيادة الفلسطينية، انطلاقاً من تكامل المواقف و الأدوار ، في التأكيد على التمسك بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على ترابها الوطني وفق قرارات الشرعية الدولية.

أمامنا مرحلة سياسية معقدة تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية مع مشروع اليمين الإسرائيلي، الذي يوظف الرواية الدينية التوراتية المتشددة لتكريس مشروعه في الضفة الغربية، التي يضعها في عين التصفية الحمئة، ولهذا يطلق عليها “يهودا والسامرة”، بما يخدم أهدافه التوسعية على حساب الأرض الفلسطينية وحقوق شعبها، دون اكتراث لاي اعتبار لاستقرار المنطقة أو مصالح دول الجوار .
الذاكرة السياسية تخبرنا أن تزامن الحرب الأمريكية على إيران مع تصاعد الأحداث في الضفة الغربية ، يعيد إلى الأذهان استراتجية التغطية و التورية التي يتقنها الأمريكي لغايات التهيئة لاحداث تاريخية شهدت تزامنا و تحولات إقليمية كبرى شكلت مراحل مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، على سبيل المثال اختيار تزامن الحرب العراقية الإيرانية مع اجتياح لبنان، مرورا بخروج منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس، ثم الانتفاضة الأولى، وصولا إلى مؤتمر مدريد، واتفاق أوسلو، و معاهدة وادي عربة. وهي محطات تستدعي قراءة متأنية للمشهد الراهن والاستفادة من دروس الماضي لتجنب تكرار أخطائه.
أمر آخر يستدعي التنبه له ، الا هو تيار الدين السياسي، من جهة، والتيار الصهيوأمريكي من جهة أخرى، الذين اسهموا في تشكيل واقع سياسي معقد في المنطقة، كل وفق أدواته وخطابه، بما ترك آثرا سلبيا عميقا على الوعي السياسي العربي ومسارات الصراع لم يخدم الا مصالح تلك التيارات .
وفي القلب غصة على ما آلت إليه الأوضاع، نتيجة سوء إدارة كثير من الأوراق السياسية، وإهدار عناصر قوة امتلكها العرب في مراحل مختلفة، في الوقت الذي واصل فيه الاحتلال تنفيذ مشروعه الاستراتيجي بعيد المدى.
ويبدو أن ما تعرض له قطاع غزة لم يكن، في نظر كثير من المحللين، سوى محطة ضمن سياق أوسع، تتجه أنظاره اليوم نحو الضفة الغربية، باعتبارها محورا رئيسيا في قلب المشروع الإسرائيلي المتعلق بالأمن والحدود وفرض الوقائع على الأرض، لتصبح الضفة في عين مشروع التصفية، و بؤرة صراع مفتوح ساخنة .
ومن هنا، يشكل ملف الضفة الغربية بالنسبة للأردن قضية أمن قومي بامتياز، لما تمثله من عمق جيوسياسي استراتيجي ، وهذا ما يفسر استمرار الحراك الدبلوماسي الأردني، بقيادة الملك عبدالله الثاني، ومن خلال الجهود التي يقوم بها وزير الخارجية أيمن الصفدي، لحشد المواقف العربية والدولية، والتأكيد على الالتزامات القانونية والإنسانية تجاه الشعب الفلسطيني، والعمل على وقف الانتهاكات التي تهدد بتوسيع دائرة الصراع وتقويض فرص السلام والاستقرار.
كما أن استمرار اعتداءات المستوطنين، وسياسات التوسع والاستيطان، يضع الفلسطينيين أمام خيارات بالغة الصعوبة، ويزيد من احتمالات التصعيد، بما يحمله ذلك من تداعيات إنسانية وسياسية وأمنية على المنطقة بأسرها.
وفي هذا السياق، لا مجال لأي مساومة على الثوابت الأردنية تجاه القضية الفلسطينية. فكل قرار وطني يجب أن ينطلق من حماية المصالح العليا للأردن، الرافضة لأي تسوية تؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية على حسابه، مع مواصلة قيام الاردن بدور الرافعة لدعم صمود الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني.
أما الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة حماس و فتح وغيرها من القوى نواة مشروع التحرر الوطني عبر مراحل مختلفة، فإن التنظيمات قد تتغير، لكن فكرة التحرر الوطني و المقاومة تبقى حية في وجدان الشعوب، و تتجدد بأشكال مختلفة ما دام الاحتلال قائما ، وما دام الشعب الفلسطيني يطالب بحقوقه المشروعة بكل ماهو متاح يكفله القانون الدولي.
وأختم هذا المقال، الذي لم يكن الاول و لن يكون الأخير عن القضية ، بكلمات الشهيد ناجي العلي على لسان حنظلة:
“اللي بدو يكتب لفلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرف حاله ميت.”

في إشارة إلى أن الانحياز للقضية الفلسطينية القضية العربية المركزية كان وسيبقى طريقا محفوفا بالتضحيات ، وأن الدفاع عن الحق والعدالة في الحرب أو السلم قد يتطلب شجاعة احيانا أن لا يموت المرء كما يراد له ، مؤمنا بمواقفه لاجل البقاء و الصمود في مواجهة كيان استيطاني عنصري توسعي محتل يستهدف الأرض و الإنسان .