حين تواجه الأمم تحدياتٍ كبرى ، فإنها تحتاج إلى رجالٍ يمتلكون وضوح الرؤية ، وعمق الفكر ، وشجاعة المبادرة .
ومن هذا المنطلق جاءت رسالة عمّان لتكون واحدةً من أهم المبادرات الفكرية الإسلامية في العصر الحديث ، وليرتبط إسم سمو الأمير غازي بن محمد بها بوصفه أحد أبرز مهندسيها والداعمين لمسيرتها ، إيمانًا منه بأن الإسلام الحق لا يمكن أن يُختزل في صور العنف أو التطرف ، وإنما هو دين الرحمة ، والعدل ، والعلم ، والكرامة الإنسانية .
لقد جاءت رسالة عمّان في مرحلةٍ كان العالم يعيش فيها حالةً من الآضطراب ، واختلطت فيها المفاهيم ، وأصبح الإسلام عرضةً للتشويه بسبب ممارسات جماعات لا تمثل جوهره ولا مقاصده . فكان لا بد من كلمةٍ علميةٍ رصينة ، تصدر عن علماء الأمة ، وتوضح للعالم حقيقة هذا الدين ، وتؤكد أن الإسلام بريءٌ من الغلو والتكفير والإعتداء على الأبرياء .
وقد قامت رسالة عمّان على أسسٍ راسخة ، من أهمها إحترام المذاهب الإسلامية المعتبرة ، وتجريم التكفير بغير حق ، وبيان أن الفتوى مسؤوليةٌ علمية لا يتصدر لها إلا أهل الإختصاص ، وهي مبادئ أسهمت في تعزيز وحدة الأمة ، والحد من خطابات الإنقسام والتشدد .
ولم تكن هذه المبادرة مجرد وثيقةٍ فكرية ، بل أصبحت مرجعًا مهمًا في كثيرٍ من المحافل العلمية والدينية ، لما تضمنته من رؤيةٍ متوازنة ، تجمع بين المحافظة على الثوابت الإسلامية والإنفتاح الواعي على العالم ، وتؤكد أن الإسلام دينٌ يبني الإنسان ولا يهدمه ، ويجمع ولا يفرق ، ويعمر الأرض ولا يفسد فيها .
وكان لسمو الأمير غازي بن محمد دورٌ بارز في إبراز هذه الرسالة ، مستفيدًا من مكانته العلمية والفكرية ، وعلاقاته الواسعة مع المؤسسات الأكاديمية والدينية ، ليصل صوت الإعتدال إلى مختلف أنحاء العالم ، وليؤكد أن الأردن ، بقيادته الهاشمية ، يحمل رسالةً حضارية تتجاوز حدوده الجغرافية إلى فضاء الإنسانية كلها .
إن رسالة عمّان لم تكن دفاعًا عن الإسلام فحسب ، بل كانت دفاعًا عن الإنسان ، وعن حقه في أن يعرف هذا الدين من مصادره الصحيحة ، لا من خلال صورٍ مشوهة صنعتها جماعات الغلو أو غذتها حملات الكراهية وسوء الفهم .
ولذلك اكتسبت هذه المبادرة إحترامًا واسعًا بين العلماء والمفكرين ، لأنها أعادت التأكيد على أن الإسلام دين العلم والعقل ، وأن الاختلاف الفقهي ثراءٌ لا صراع ، وأن وحدة الأمة تقوم على الإحترام المتبادل ، لا على الإقصاء والتكفير .
واليوم ، وبعد مرور سنوات على إطلاق رسالة عمّان ، ما تزال مبادئها تحتفظ بقيمتها الفكرية والأخلاقية ، بل تبدو أكثر أهميةً في ظل ما يشهده العالم من تحديات فكرية وثقافية ، وما أحوج الإنسانية إلى خطابٍ يعلي من شأن الحكمة ، ويؤمن بالحوار ، ويرفض العنف والتطرف .
لقد أثبت سمو الأمير غازي بن محمد ، من خلال هذه المبادرة وغيرها ، أن الفكر المستنير قادرٌ على صناعة أثرٍ يتجاوز حدود الزمن والمكان ، وأن الكلمة الصادقة ، إذا إستندت إلى العلم والإخلاص ، تستطيع أن تُعيد رسم الصورة الحقيقية لأمةٍ كاملة ، وأن تبني جسور الثقة بين الشعوب.
ولهذا ستبقى رسالة عمّان علامةً مضيئة في التأريخ الفكري المعاصر ، وشاهدًا على الدور الريادي الذي اضطلع به الأردن ، وعلى الإسهام الفكري لسمو الأمير غازي بن محمد في ترسيخ قيم الوسطية ، والاعتدال ، والرحمة ، والتعايش بين البشر .