كيف يقاس العمر؟ سعيد الصالحي

 

تتخاطف الساعات كل يوم جزءًا من حياتنا، وتمضي الأيام والساعات جميعها، فلا تترك خلفها للبسطاء أمثالنا إلا الذكريات. تمر الدقائق فوق أرواحنا فلا نشعر بها، لكن آثارها تكبر بصمت، ولا ننتبه إليها إلا حين نتأمل وجوهنا في المرآة، أو حين يقرأها العابرون والفضوليون في ملامحنا.

كلما مررت أمام منزل أو معلم كان ذات يوم يعج بالحياة، لا أتوقف عند جدرانه بقدر ما يستوقفني سؤال قديم يتجدد في داخلي: هل كان يعرف الباني، وهو يضع الحجر الأول، أنه سيتحول يومًا إلى تراب، بينما يبقى ما بناه صامدًا في وجه الدنيا؟ وهل الحجارة أقوى منا، أم أنها فقط تعرف كيف تصبر أكثر؟

الحجر ليس أبكم كما نظن. إنه يطلق صوته حين تضربه المطارق، ويحتج حين تتدحرج به السيول من القمة إلى قاع الوادي، ويهمس كلما انتقل من مكان إلى آخر. لكنه يختار الصمت حين يتأمل من يجلس فوقه، وكأنه يدرك أن الوجوه تتبدل، بينما تبقى الحكايات تتكرر منذ آلاف السنين.

لا يمنحنا الزمن العمر وحده، بل يمنحه المكان معناه. فكم من سنوات مرت بلا أثر، وكم من زاوية صغيرة في حي قديم بقيت تسكننا حتى اليوم.

أما الحقيقة التي آلمتني، فهي أن عمري، على امتداده، لم يتخطَّ بعد حدود حينا القديم، وأزقته البسيطة التي كانت تفوح منها رائحة البندورة المجففة في موسم الصيف.