من التعدد العسكري إلى انهيار الدولة… قراءة استقصائية في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»
القاهرة: لم تبدأ الحرب السودانية مع أول طلقة أُطلقت في الخرطوم، ولم تكن وليدة خلاف مفاجئ بين قائدين عسكريين. هذه هي الفرضية التي ينطلق منها كتاب «مستقبل بلد بين جيشين… القصة الخفية للثنائية العسكرية في السودان» للصحفي والباحث في الشؤون الإفريقية علي فوزي، الذي يحاول إعادة بناء المشهد من جذوره، عبر تتبع المسار الذي قاد إلى وجود مؤسستين عسكريتين تتقاسمان القوة داخل الدولة، قبل أن تتحول المنافسة بينهما إلى حرب تهدد بقاء السودان نفسه. ويقدم الكتاب، الصادر عام 2026، دراسة تجمع بين البحث الوثائقي والتحليل السياسي، مستنداً إلى وثائق ومراجع وإفادات لمراقبين وخبراء من أجل تفسير واحدة من أعقد أزمات الدولة السودانية الحديثة.
ما وراء مشهد الحرب
في كثير من التغطيات الإعلامية، تبدو الحرب وكأنها صراع على السلطة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. غير أن الكتاب يدعو إلى تجاوز هذه القراءة، معتبراً أن المواجهة العسكرية ليست سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من التحولات التي أعادت تشكيل بنية القوة داخل الدولة.
ويطرح المؤلف سؤالاً محورياً: ماذا يحدث عندما تمتلك الدولة أكثر من مؤسسة عسكرية تتمتع بالشرعية والسلاح والنفوذ الاقتصادي والسياسي؟
الإجابة التي يقترحها الكتاب تتمثل في مفهوم «الثنائية العسكرية»، الذي يراه مفتاحاً لفهم تعثر الانتقال السياسي، وانهيار المؤسسات، ثم انفجار الصراع المسلح. ويخلص إلى أن هذه الثنائية لم تكن وضعاً مؤقتاً، بل تحولت إلى بنية مستقرة داخل الدولة السودانية، الأمر الذي جعل المواجهة بين طرفيها مسألة وقت أكثر من كونها احتمالاً سياسياً.
كيف وُلد الجيش الثاني؟
يتوقف الكتاب عند المراحل التي سبقت تأسيس قوات الدعم السريع بصيغتها القانونية، ويعتبر أن إصدار قانون عام 2017 لم يكن مجرد إجراء إداري، بل محطة مفصلية نقلت هذه القوة من إطار المساندة العسكرية إلى مؤسسة قائمة بذاتها، تتمتع بهياكل تنظيمية واختصاصات واسعة.
ومن خلال تتبع النصوص القانونية والسياق السياسي الذي أحاط بها، يرى المؤلف أن الدولة السودانية دخلت منذ تلك اللحظة مرحلة جديدة أصبح فيها السلاح موزعاً بين مؤسستين كبيرتين، لكل منهما مصالحها ودوائر نفوذها، وهو ما خلق توازناً هشاً انتهى لاحقاً إلى الصدام.
الانتقال السياسي… الفرصة التي ضاعت
لا يحمّل الكتاب المسؤولية للعامل العسكري وحده، بل يربط بين تعثر المرحلة الانتقالية بعد عام 2019 وبين غياب رؤية متكاملة لإصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية.
ويشير إلى أن الحكومات الانتقالية واجهت معضلة الجمع بين إدارة الانتقال السياسي والإبقاء على مراكز القوة العسكرية كما هي، من دون الوصول إلى صيغة تعيد توحيد المؤسسة العسكرية أو تحدد بوضوح العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة الأمنية.
وبحسب قراءة المؤلف، فإن هذا التردد أتاح استمرار الاختلال في موازين القوة، حتى أصبح الصدام أكثر ترجيحاً من التسوية.
حين تغيب العدالة
يفرد الكتاب مساحة واسعة لمسألة العدالة الانتقالية، معتبراً أن عدم حسم ملفات الانتهاكات التي رافقت المرحلة الانتقالية أدى إلى تآكل الثقة الشعبية في مؤسسات الدولة، ورسخ ثقافة الإفلات من العقاب.
ويربط المؤلف بين غياب المساءلة وبين تراجع قدرة الدولة على فرض سيادة القانون، معتبراً أن العدالة ليست مطلباً أخلاقياً فقط، بل إحدى ركائز إعادة بناء الدولة بعد الصراعات.
الاقتصاد… الوجه الآخر للصراع
ومن بين الزوايا التي يسلط عليها الكتاب الضوء، العلاقة بين القوة العسكرية والنفوذ الاقتصادي. فالمؤلف يرى أن استقلال المؤسسات العسكرية اقتصادياً يمنحها هامشاً واسعاً من الحركة بعيداً عن الرقابة المدنية، وهو ما يعقد أي محاولة لإعادة هيكلة الدولة أو دمج القوات المسلحة.
ولهذا يدعو إلى إخضاع الأنشطة الاقتصادية العسكرية لرقابة الدولة، باعتبارها جزءاً من عملية الإصلاح المؤسسي، وليس مجرد إجراء مالي.
السودان في مرآة تجارب أخرى
لا يعزل الكتاب السودان عن محيطه، بل يقارن تجربته بدول شهدت انقساماً في المؤسسات العسكرية، مثل ليبيا واليمن وجنوب السودان، ليستنتج أن تعدد مراكز القوة المسلحة غالباً ما يقود إلى إطالة أمد الصراعات وإضعاف فرص بناء دولة مستقرة.
كما يتناول أثر التدخلات الإقليمية وتشابك المصالح الخارجية، معتبراً أن نجاح أي تسوية سودانية يظل مرتبطاً أيضاً بوجود توافق إقليمي يمنع استخدام الأزمة كساحة لتصفية الحسابات.
ما بعد الحرب… هل تكفي التسوية؟
في الفصل الختامي، يبتعد المؤلف عن تقديم حلول سياسية آنية، ويركز على الشروط البنيوية لاستقرار السودان. وتشمل هذه الشروط إصلاح القطاع الأمني، ودمج القوات المسلحة في قيادة موحدة، وتفعيل العدالة الانتقالية، وفصل النشاط الاقتصادي العسكري عن مؤسسات الدولة، إلى جانب دعم إقليمي ودولي لعملية الإصلاح.
قراءة في أهمية الكتاب
تكمن أهمية «مستقبل بلد بين جيشين» في أنه لا يكتفي بسرد الوقائع أو إعادة ترتيب الأحداث، بل يحاول تفسيرها ضمن إطار نظري يربط بين بنية المؤسسة العسكرية، وأداء السلطة السياسية، وفشل الانتقال الديمقراطي.
وبينما لا يدّعي الكتاب امتلاك إجابات نهائية عن مستقبل السودان، فإنه يقدم مادة بحثية تسعى إلى تفسير كيف تحولت أزمة توزيع القوة داخل الدولة إلى حرب مفتوحة، ولماذا يرى مؤلفه أن استعادة الاستقرار لن تتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح، وبين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية.
وفي هذا السياق، يبدو الكتاب أقرب إلى ملف استقصائي يوثق مسار تشكل الأزمة أكثر من كونه سرداً للحرب، وهو ما يمنحه قيمة خاصة للباحثين والمهتمين بالشأن السوداني، وللقراء الراغبين في فهم ما جرى خلف المشهد العسكري، لا الاكتفاء بمتابعة تطوراته اليومية.